كالمغلولة يده الذي لا يقدر أن يبسطها بعطاء ولا بذل معروف . تعالى الله عما قال أعداء الله فقال الله مكذبهم ومخبرهم بسخطه عليهم :
غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ
يقول : أمسكت أيديهم عن الخيرات ، وقبضت عن الانبساط بالعطيات ، ولعنوا بما قالوا ، وأبعدوا من رحمة الله وفضله بالذي قالوا من الكفر وافتروا على الله ووصفوه به من الكذب ، والإفك .
بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ
يقول : بل يداه مبسوطتان بالبذل والإعطاء وأرزاق عباده وأقوات خلقه ، غير مغلولتين ولا مقبوضتين .
يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ
يقول : يعطي هذا ويمنع هذا فيقتر عليه . وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك : حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله :
وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا
قالا : ليس يعنون بذلك أن يد الله موثقة ، ولكنهم يقولون : إنه بخيل أمسك ما عنده . تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله :
يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ
قال : لقد يجهدنا الله يا بني إسرائيل حتى جعل الله يده إلى نحره وكذبوا حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ
قال : اليهود تقول : لقد يجهدنا الله يا بني إسرائيل ويا أهل الكتاب حتى إن يده إلى نحره . بل يداه مبسوطتان ، ينفق كيف يشاء حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا
إلى :
وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ
أما قوله
يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ
قالوا : الله بخيل غير جواد ، قال الله :
بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ
حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ
قالوا : إن الله وضع يده على صدره فلا يبسطها حتى يرد علينا ملكنا وأما قوله :
يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ
يقول : يرزق كيف يشاء . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال عكرمة :
وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ
الآية ، نزلت في فنحاص اليهودي حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال :
ثنا أبو تميلة ، عن عبيد بن سليمان ، عن الضحاك بن مزاحم ، قوله :
يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ
يقولون : إنه بخيل ليس بجواد قال الله :
غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ
أمسكت أيديهم عن النفقة والخير . ثم قال يعني نفسه :
بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ
وقال :
لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً
يقول : لا تمسك يدك عن النفقة واختلف أهل الجدل في تأويل قوله :
بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ
فقال بعضهم : عني بذلك نعمتاه ، وقال :
ذلك بمعنى : يد الله على خلقه ، وذلك نعمه عليهم ؛ وقال : إن العرب تقول : لك عندي يد ، يعنون بذلك : نعمة .
وقال آخرون منهم : عنى بذلك القوة ، وقالوا : ذلك نطير قول الله تعالى ذكره :
وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي
وقال آخرون منهم : بل يده ملكه ؛ وقال : معنى قوله :
وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ
ملكه وخزائنه . قالوا : وذلك كقول العرب للمملوك : هو ملك يمينه ، وفلان بيده عقدة نكاح فلانة : أي يملك ذلك ، وكقول الله تعالى ذكره :
فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً
وقال آخرون منهم :
بل يد الله صفة من صفاته هي يد ، غير أنها ليست بجارحة كجوارح بني آدم . قالوا : وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عن خصوصية آدم بما خصه به من خلقه إياه بيده . قالوا : ولو كان لخصوصية آدم بذلك وجه مفهوم ، إذ كان جميع خلقه مخلوقين بقدرته ومشيئته في خلقه تعمه وهو لجميعهم مالك . قالوا : وإذ كان تعالى ذكره قد خص آدم بذكره خلقه إياه بيده دون غيره من عباده ، كان معلوما أنه إنما خصه