بذلك لمعنى به فارق غيره من سائر الخلق . قالوا : وإذا كان ذلك كذلك ، بطل قول من قال : معنى اليد من الله القوة والنعمة أو الملك في هذا الموضع . قالوا : وأحرى أن ذلك لو كان كما قال الزاعمون إن يد الله في قوله :
وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ
هي نعمته ، لقيل : بل يده مبسوطة ، ولم يقل : بل يداه ، لأن نعمة الله لا تحصى بكثرة ؛ وبذلك جاء التنزيل ، يقول الله تعالى :
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
قالوا : ولو كانت نعمتين كانتا محصاتين . قالوا : فإن ظن ظان أن النعمتين بمعنى النعم الكثيرة ، فذلك منه خطأ ؛ وذلك أن العرب قد تخرج الجميع بلفظ الواحد لأداء الواحد عن جميع جنسه ، وذلك كقول الله تعالى ذكره :
وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ
، وكقوله :
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ
الحجر : ، وقوله :
وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً
قال : فلم يرد بالإنسان والكافر في هذه الأماكن إنسان بعينه ، ولا كافر مشار إليه حاضر ، بل عني به جميع الإنس وجميع الكفار ، ولكن الواحد أدى عن جنسه كما تقول العرب : ما أكثر الدرهم في أيدي الناس ، وكذلك قوله :
وَكانَ الْكافِرُ
معناه : وكان الذين كفروا . قالوا : فأما إذا ثني الاسم ، فلا يؤدي عن الجنس ، ولا يؤدي إلا عن اثنين بأعيانهما دون الجميع ودون غيرهما . قالوا : وخطأ في كلام العرب أن يقال :
ما أكثر الدرهمين في أيدي الناس بمعنى : ما أكثر الدراهم في أيديهم . قالوا : وذلك أن الدرهم إذا ثني لا يؤدي في كلامها إلا عن اثنين بأعيانهما . قالوا : وغير محال : ما أكثر الدرهم في أيدي الناس وما أكثر الدراهم في أيديهم لأن الواحد يؤدي عن الجميع . قالوا : ففي قول الله تعالى :
بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ
مع إعلامه عباده أن نعمه لا تحصى ، ومع ما وصفنا من أنه غير معقول في كلام العرب أن اثنين يؤديان عن الجميع ، ما ينبئ عن خطأ قول من قال : معنى اليد في هذا الموضع : النعمة ، وصحة قول من قال : إن يد الله هي له صفة . قالوا : وبذلك تظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال به العلماء وأهل التأويل . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : إن هذا الذي أطلعناك عليه من خفي أمور هؤلاء اليهود مما لا يعلمه إلا علماؤهم وأحبارهم ، احتجاجا عليهم لصحة نبوتك ، وقطعا لعذر قائل منهم أن يقول : ما جاءنا من بشير ولا نذير ، ليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا ، يعني بالطغيان : الغلو في إنكار ما قد علموا صحته من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم والتمادي في ذلك .
وَكُفْراً
يقول : ويزيدهم مع غلوهم في إنكار ذلك جحودهم عظمة الله ووصفهم إياه بغير صفته ، بأن ينسبوه إلى البخل ، ويقولوا :
يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ
وإنما أعلم تعالى ذكره نبيه صلى الله عليه وسلم أنهم أهل عتق وتمرد على ربهم ، وأنهم لا يذعنون لحق وإن علموا صحته ، ولكنهم يعاندونه ؛ يسلي بذلك نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عن الموجدة بهم في ذهابهم عن الله وتكذيبهم إياه . وقد بينت معنى الطغيان فيما مضى بشواهده بما أغنى عن إعادته . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة :
وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً
حملهم حسد محمد صلى الله عليه وسلم والعرب على أن كفروا به ، وهم يجدونه مكتوبا عندهم القول في تأويل قوله تعالى :
وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
يعني تعالى ذكره بقوله :
وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
بين اليهود والنصارى . كما : حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
اليهود والنصارى فإن قال قائل :
وكيف قيل :
وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ
جعلت الهاء والميم في قوله
بَيْنَهُمُ
كناية عن اليهود والنصارى ، ولم يجر لليهود والنصارى ذكر ؟ قيل : قد جرى لهم ذكر ، وذلك قوله :
لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ
جرى الخبر في بعض الآي عن الفريقين وفي بعض عن أحدهما ، إلى أن