وصفهم من الصبر على طاعة الله بعد مقتل أنبيائهم ، وعلى جهاد عدوهم ، والاستعانة بالله في أمورهم ، واقتفائهم مناهج إمامهم ، على ما أبلوا في الله
ثَوابَ الدُّنْيا
يعني : جزاء في الدنيا ، وذلك النصر على عدوهم وعدو الله ، والظفر والفتح عليهم ، والتمكين لهم في البلاد ؛
وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ
يعني : وخير جزاء الآخرة ، على ما أسلفوا في الدنيا من أعمالهم الصالحة ، وذلك الجنة ونعيمها . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا
فقرأ حتى بلغ :
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
أي والله لآتاهم الله الفتح والظهور والتمكين والنصر على عدوهم في الدنيا ،
وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ
يقول :
حسن الثواب في الآخرة : هي الجنة . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع ، قوله :
وَما كانَ قَوْلَهُمْ
ثم ذكر نحوه . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، في قوله :
فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا
قال : النصر والغنيمة ،
وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ
قال : رضوان الله ورحمته . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق :
فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا
حسن الظهور على عدوهم ،
وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ
الجنة ، وما أعد فيها . وقوله :
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
يقول تعالى ذكره : فعل الله ذلك بإحسانهم ، فإنه يحب المحسنين ، وهم الذين يفعلون مثل الذي وصف عنهم تعالى ذكره أنهم فعلوه حين قتل نبيهم . القول في تأويل قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ
يعني بذلك تعالى ذكره : يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله ، في وعد الله ووعيده وأمره ونهيه
إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا
، يعني : الذين جحدوا نبوة نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى ، فيما يأمرونكم به ، وفيما ينهونكم عنه ، فتقبلوا رأيهم في ذلك ، وتنتصحوهم فيما تزعمون أنهم لكم فيه ناصحون ،
يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ
يقول : يحملوكم على الردة بعد الإيمان والكفر بالله وآياته وبرسوله بعد الإسلام ،
فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ
يقول : فترجعوا عن إيمانكم ودينكم الذي هداكم الله له خاسرين ، يعني : هالكين ، قد خسرتم أنفسكم ، وضللتم عن دينكم ، وذهبت دنياكم وآخرتكم . ينهى بذلك أهل الإيمان بالله أن يطيعوا أهل الكفر في آرائهم ، وينتصحوهم في أديانهم . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ
أي عن دينكم : فتذهب دنياكم وآخرتكم . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا
قال ابن جريج :
يقول : لا تنتصحوا اليهود والنصارى على دينكم ، ولا تصدقوهم بشيء في دينكم . حدثنا محمد قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ
يقول : إن تطيعوا أبا سفيان يردكم كفارا . القول في تأويل قوله جل ثناءه :
بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ
يعني بذلك تعالى ذكره : أن الله مسددكم أيها المؤمنون ، فمنقذكم من طاعة الذين كفروا . وإنما قيل :
بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ
لأن قوله :
إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ
نهي لهم عن طاعتهم ، فكأنه قال : يا أيها الذين آمنوا لا تطيعوا الذين كفروا ، فيردوكم على أعقابكم ، ثم ابتدأ الخبر ، فقال :
بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ
فأطيعوه دون الذين كفروا فهو خير من نصر ، ولذلك رفع اسم الله ، ولو كان منصوبا على معنى : بل أطيعوا الله مولاكم دون الذين كفروا ، كان وجها صحيحا . ويعني بقوله :
بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ
وليكم وناصركم على أعدائكم الذين كفروا ، .
وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ
لا من فررتم إليه من اليهود وأهل الكفر بالله ، فبالله الذي هو ناصركم ومولاكم فاعتصموا وإياه فاستنصروا دون غيره ممن يبغيكم