تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
ثناؤه : من يرد منكم أيها المؤمنون بعمله جزاء منه بعض أعراض الدنيا دون ما عند الله من الكرامة ، لمن ابتغى بعمله ما عنده
نُؤْتِهِ مِنْها
يقول : نعطه منها ، يعني : من الدنيا ، يعني : أنه يعطيه منها ما قسم له فيها من رزق أيام حياته ، ثم لا نصيب له في كرامة الله التي أعدها لمن أطاعه ، وطلب ما عنده في الآخرة .
وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ
يقول : ومن يرد منكم بعمله جزاء منه ثواب الآخرة ، يعنى ما عند الله من كرامته التي أعدها للعاملين له في الآخرة ،
نُؤْتِهِ مِنْها
يقول : نعطه منها ، يعني من الآخرة ؛ والمعنى : من كرامة الله التي خص بها أهل طاعته في الآخرة . فخرج الكلام على الدنيا والآخرة ، والمعنى ما فيهما . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق :
وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها
أي فمن كان منكم يريد الدنيا ليست له رغبة في الآخرة ، نوته ما قسم له منها من رزق ، ولاحظ له في الآخرة ، ومن يرد ثواب الآخرة نوته منها ما وعده مع ما يجرى عليه من رزقه في دنياه . وأما قوله :
وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ
يقول : وسأثيب من شكر لي ما أوليته من إحساني إليه بطاعته إياي وانتهائه إلى أمري وتجنبه محارمي في الآخرة ، مثل الذي وعدت أوليائي من الكرامة على شكرهم إياي . وقال ابن إسحاق في ذلك بما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق :
وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ
أي ذلك جزاء الشاكرين ، يعنى بذلك : إعطاء الله إياه ما وعده في الآخرة مع ما يجري عليه من الرزق في الدنيا . القول في تأويل قوله تعالى :
وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ
اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأه بعضهم :
وَكَأَيِّنْ
بهمز الألف وتشديد الياء وقرأه آخرون : بمد الألف وتخفيف الياء . وهما قراءتان مشهورتان في قراءة المسلمين ، ولغتان معروفتان لا اختلاف في معناهما ، فبأي القراءتين قرأ ذلك قارئ فمصيب ، لاتفاق معنى ذلك وشهرتهما في كلام العرب . ومعناه : وكم من نبي . القول في تأويل قوله تعالى :
قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ
اختلفت القراء في قراءة قوله :
قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ
؛ فقرأ ذلك جماعة من قراء الحجاز والبصرة : " قتل " بضم القاف ، وقرأه جماعة أخرى بفتح القاف وبالألف ، وهي قراءة جماعة من قراء الحجاز والكوفة . فأما من قرأ
قاتَلَ
فإنه اختار ذلك لأنه قال : لو قتلوا لم يكن لقوله :
فَما وَهَنُوا
وجه معروف ، لأنه يستحيل أن يوصفوا بأنهم لم يهنوا ولم يضعفوا بعد ما قتلوا . وأما الذين قرءوا ذلك : " قتل " ، فإنهم قالوا : إنما عنى بالقتل النبي وبعض من معه من الربيين دون جميعهم ، وإنما نفى الوهن والضعف عمن بقي من الربيين ممن لم يقتل . وأولى القراءتين في ذلك عندنا بالصواب ، قراءة من قرأ بضم القاف : قتل معه ربيون كثير لأن الله عز وجل إنما عاتب بهذه الآية ، والآيات التي قبلها من قوله :
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ
الذين انهزموا يوم أحد ، وتركوا القتال ، أو سمعوا الصائح يصيح : إن محمدا قد قتل ، فعذلهم الله عز وجل على فرارهم وتركهم القتال ، فقال : أفإن مات محمد أو قتل أيها المؤمنون ارتددتم عن دينكم ، وانقلبتم على أعقابكم ؟ ثم أخبرهم عما كان من فعل كثير من أتباع الأنبياء قبلهم وقال لهم : هلا فعلتم كما كان أهل الفضل والعلم من أتباع الأنبياء قبلكم يفعلونه إذا قتل نبيهم من المضي على منهاج نبيهم والقتال على دينه أعداء دين الله على نحو ما كانوا يقاتلون مع نبيهم ، ولم تهنوا ولم تضعفوا كما لم يضعف الذين كانوا قبلكم من أهل العلم والبصائر من أتباع الأنبياء إذا قتل نبيهم ، ولكنهم صبروا لأعدائهم حتى حكم الله بينهم وبينهم وبذلك من التأويل جاء تأويل المتأول . وأما " الربيون " ، فإنهم مرفوعون بقوله : " معه " ، لا بقوله : " قتل " . وإنما تأويل الكلام : وكائن من نبي قتل ومعه ربيون كثير ، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله . وفي الكلام إضمار واو ، لأنها واو تدل على معنى حال قتل النبي صلى الله عليه وسلم ، غير أنه اجتزأ بدلالة ما ذكر من الكلام عليها من ذكرها ، وذلك كقول القائل في