فمعنى " لا يزل " رفع ، ولكنه جزم لمجيئه بعد الجزاء فصار كالجواب . ومثله : أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ و فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ ولو كان مكان فهم الخالدون يخلدون ؛ وقيل : أفإن مت يخلدوا جاز الرفع فيه والجزم ، وكذلك لو كان مكان " انقلبتم " " تنقلبوا " جاز الرفع والجزم لما وصفت قبل . وتركت إعادة الاستفهام ثانية مع قوله : " انقلبتم " اكتفاء بالاستفهام في أول الكلام ، وأن الاستفهام في أوله دال على موضعه ومكانه . وقد كان بعض القراء يختار في قوله : أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ترك إعادة الاستفهام مع " أإنا " ، اكتفاء بالاستفهام في قوله : أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ويستشهد على صحة وجه ذلك باجتماع القراء على تركهم إعادة الاستفهام مع قوله : " انقلبتم " ، اكتفاء بالاستفهام في قوله : أَ فَإِنْ ماتَ إذا كان دالا على معنى الكلام وموضع الاستفهام منه ، وكان يفعل مثل ذلك في جميع القرآن ، وسنأتي على الصواب من القول في ذلك إن شاء الله إذا انتهينا إليه . القول في تأويل قوله تعالى : وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا يعني تعالى ذكره بذلك : وما يموت محمد ولا غيره من خلق الله إلا بعد بلوغ أجله الذي جعله الله غاية لحياته وبقائه ، فإذا بلغ ذلك من الأجل الذي كتبه الله له وأذن له بالموت فحينئذ يموت ، فأما قبل ذلك فلن تموت بكيد كائد ولا بحيلة محتال . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا أي أن لمحمد أجلا هو بالغه إذا أذن الله له في ذلك كان . وقد قيل : إن معنى ذلك : وما كانت نفس لتموت إلا بإذن الله . وقد اختلف أهل العربية في معنى الناصب قوله : كِتاباً مُؤَجَّلًا ؛ فقال بعض نحويي البصرة : هو توكيد ، ونصبه على : كتب الله كتابا مؤجلا ، قال : وكذلك كل شيء في القرآن من قوله " حقا " ، إنما هو : أحق ذلك حقا ، وكذلك : وَعَدَ اللَّهُ و رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ و صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ و كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إنما هو : صنع الله هكذا صنعا ، فهكذا تفسير كل شيء في القرآن من نحو هذا ، فإنه كثير . وقال بعض نحويي الكوفة في قوله : وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ معناه : كتب الله آجال النفوس ، ثم قيل : كتابا مؤجلا ، فأخرج قوله : كتابا مؤجلا ، نصبا من المعنى الذي في الكلام ، إذ كان قوله : وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ قد أدى عن معنى " كتب " ، قال : وكذلك سائر ما في القرآن من نظائر ذلك ، فهو على هذا النحو . وقال آخرون منهم : قول القائل : زيد قائم حقا ، بمعنى : أقول زيد قائم حقا ، لأن كل كلام قول ، فأدى المقول عن القول ، ثم خرج ما بعده منه ، كما تقول : أقول قولا حقا ، وكذلك ظنا ويقينا ، وكذلك وعد الله ، وما أشبهه . والصواب من القول في ذلك عندي ، أن كل ذلك منصوب على المصدر من معنى الكلام الذي قبله ، لأن في كل ما قبل المصادر التي هي مخالفة ألفاظها ألفاظ ما قبلها من الكلام معاني ألفاظ المصادر وإلا خالفها في اللفظ فنصبها من معاني ما قبلها دون ألفاظه . القول في تأويل قوله جل ثناءه : وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها يعني بذلك جل
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 75
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٧٥
حجاج ، قال : قال ابن جريج : قال : أهل المرض والارتياب والنفاق ، حين فر الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم : قد قتل محمد ، فألحقوا بدينكم الأول فنزلت هذه الآية . ومعنى الكلام : وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ، أفتنقلبون على أعقابكم إن مات محمد أو قتل ؟ ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا فجعل الاستفهام في حرف الجزاء ، ومعناه أن يكون في جوابه خبر وكذلك كل استفهام دخل على جزاء ، فمعناه أن يكون في جوابه خبر لأن الجواب خبر يقوم بنفسه والجزاء شرط لذلك الخبر ثم يجزم جوابه وهو كذلك ، ومعناه الرفع لمجيئه بعد الجزاء ، كما قال الشاعر :
حلفت له أن تدلج الليل لا يزل * أمامك بيت من بيوتي ساتر