محمد بن بشار ، قال : ثنا هوذة ، قال : ثنا عوف ، عن الحسن ، قال : بلغني أن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون : لئن لقينا مع النبي صلى الله عليه وسلم لنفعلن ولنفعلن فابتلوا بذلك ، فلا والله ما كلهم صدق ، فأنزل الله عز وجل .
وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ
حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : كان ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لم يشهدوا بدر ا ، فلما رأوا فضيلة أهل بدر ، قالوا : اللهم إنا نسألك أن ترينا يوما كيوم بدر ، نبليك فيه خيرا فرأوا أحد ا ، فقال لهم :
وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ
حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق :
وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ
. أي لقد كنتم تمنون الشهادة على الذي أنتم عليه من الحق قبل أن تلقوا عدوكم ، يعني الذين حملوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على خروجه بهم إلى عدوهم لما فاتهم من الحضور في اليوم الذي كان قبله ببدر ، رغبة في الشهادة التي قد فاتتهم به يقول :
فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ
أي الموت بالسيوف في أيدي الرجال ، قد حل بينكم وبينهم ، وأنتم تنظرون إليهم ، فصددتم عنهم . القول في تأويل قوله تعالى :
وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ
يعني تعالى ذكره بذلك : وما محمد إلا رسول كبعض رسل الله الذين أرسلهم إلى خلقه داعيا إلى الله وإلى طاعته ، الذين حين انقضت آجالهم ماتوا وقبضهم الله إليه . يقول جل ثناؤه : فمحمد صلى الله عليه وسلم إنما هو فيما الله به صانع من قبضه إليه عند انقضاء مدة أجله كسائر مدة رسله إلى خلقه الذين مضوا قبله وماتوا عند انقضاء مدة آجالهم . ثم قال لأصحاب محمد معاتبهم على ما كان منهم من الهلع والجزع حين قيل لهم بأحد : إن محمد اقتل ، ومقبحا إليهم انصراف من انصرف منهم عن عدوهم وانهزامه عنهم :
أَ فَإِنْ ماتَ
محمد أيها القوم لانقضاء مدة أجله ، أو قتله عدوكم ،
انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ
يعني ارتددتم عن دينكم الذي بعث الله محمدا بالدعاء إليه ، ورجعتم عنه كفارا بالله بعد الإيمان به ، وبعد ما قد وضحت لكم صحة ما دعاكم محمد إليه ، وحقيقة ما جاءكم به من عند ربه .
وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ
يعني بذلك : ومن يرتدد منكم عن دينه ويرجع كافرا بعد إيمانه ،
فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً
يقول : فلن يوهن ذلك عزة الله ولا سلطانه ، ولا يدخل بذلك نقص في ملكه ، بل نفسه يضر بردته ، وحظ نفسه ينقص بكفره .
وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ
يقول : وسيثيب الله من شكره على توفيقه وهدايته إياه لدينه بنبوته على ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم إن هو مات أو قتل واستقامته على منهاجه ، وتمسكه بدينه وملته بعده . كما : حدثنا المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن هاشم ، قال : أخبرنا سيف بن عمر ، عن أبي روق ، عن أبي أيوب ، عن علي في قوله :
وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ
الثابتين على دينهم أبا بكر وأصحابه . فكان علي رضي الله عنه يقول : كان أبو بكر أمين الشاكرين وأمين أحباء الله ، وكان أشكرهم وأحبهم إلى الله . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن مغيرة ، عن العلاء بن بدر ، قال : إن أبا بكر أمين الشاكرين . وتلا هذه الآية :
وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ
حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق :
وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ
أي من أطاعه وعمل بأمره . وذكر أن هذه الآية أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن انهزم عنه بأحد من أصحابه رسول الله صلى الله عليه وسلم . ذكر الأخبار الواردة بذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ
إلى قوله :
وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ
ذاكم يوم أحد حين أصابهم القرح والقتل ، ثم تنازعوا نبي الله صلى الله عليه وسلم بقية ذلك ، فقال أناس : لو كان نبيا ما قتل .