تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
يتبين لعبادي المؤمنين ، المجاهد منكم في سبيل الله ، على ما أمره به . وقد بينت معنى قوله :
وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ
وليعلم الله ، وما أشبه ذلك بأدلته فيما مضى بما أغنى عن إعادته وقوله :
وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ
يعني : الصابرين عند البأس على ما ينالهم في ذات الله من جرح وألم ومكروه . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق :
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ
وتصيبوا من ثوابي الكرامة ، ولم أختبركم بالشدة ، وأبتليكم بالمكاره ، حتى أعلم صدق ذلك منكم الإيمان بي ، والصبر على ما أصابكم في . ونصب
وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ
على الصرف ، والصرف أن يجتمع فعلان ببعض حروف النسق ، وفي أوله ما لا يحسن إعادته مع حرف النسق ، فينصب الذي بعد حرف العطف على الصرف ، لأنه مصروف عن معنى الأول ، ولكن يكون مع جحد أو استفهام أو نهي في أول الكلام ، وذلك كقولهم : لا يسعني شيء ويضيق عنك ، لأن " لا " التي مع " يسعني " لا يحسن إعادتها مع قوله : " ويضيق عنك " ، فلذلك نصب . والقراء في هذا الحرف على النصب ؛ وقد روي عن الحسن أنه كان يقرأ : " ويعلم الصابرين " فيكسر الميم من " يعلم " ، لأنه كان ينوي جزمها على العطف به على قوله :
وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ
القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ
يعني بقوله جل ثناؤه :
وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ
ولقد كنتم يا معشر أصحاب محمد تمنون الموت يعني أسباب الموت وذلك القتال ؛
فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ
فقد رأيتم ما كنتم تمنونه . والهاء في قوله " رأيتموه " ، عائدة على الموت ، ومعنى :
وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ
يعني : قد رأيتموه بمرأى منكم ومنظر : أي بقرب منكم . وكان بعض أهل العربية يزعم أنه قيل :
وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ
على وجه التوكيد للكلام ، كما يقال : رأيته عيانا ، ورأيته بعيني ، وسمعته بأذني ؛ وإنما قيل :
وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ
لأن قوما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن لم يشهد بدرا ، كانوا يتمنون قبل أحد يوما مثل يوم بدر ، فيبلوا الله من أنفسهم خيرا ، وينالوا من الأجر مثل ما نال أهل بدر ؛ فلما كان يوم أحد فر بعضهم وصبر بعضهم ، حتى أوفى بما كان عاهد الله قبل ذلك ، فعاتب الله من فر منهم ، فقال :
وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ
الآية ، وأثنى على الصابرين منهم والموفين بعهدهم . ذكر الأخبار بما ذكرنا من ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله :
وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ
قال : غاب رجال عن بدر ، فكانوا يتمنون مثل يوم بدر أن يلقوه ، فيصيبوا من الخير والأجر مثل ما أصاب أهل بدر . فلما كان يوم أحد ولى من ولى ، فعاتبهم الله أو فعابهم ، أو فعتبهم على ذلك ، شك أبو عاصم . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد نحوه ، ألا أنه قال : فعاتبهم الله على ذلك ، ولم يشك . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ
أناس من المؤمنين لم يشهدوا يوم بدر والذي أعطى الله أهل بدر من الفضل والشرف والأجر ، فكانوا يتمنون أن يرزقوا قتالا فيقاتلوا ، فسيق إليهم القتال حتى كان في ناحية المدينة يوم أحد ، فقال الله عز وجل كما تسمعون :
وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ
حتى بلغ :
الشَّاكِرِينَ
حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، قوله :
وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ
قال : كانوا يتمنون أن يلقوا المشركين فيقاتلوهم ، فلما لقوهم يوم أحد ولوا . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع ، قال : إن أناسا من المؤمنين لم يشهدوا يوم بدر والذي أعطاهم الله من الفضل ، فكانوا يتمنون أن يروا قتالا فيقاتلوا ، فسيق إليهم القتال ، حتى كان بناحية المدينة يوم أحد ، فأنزل الله عز وجل :
وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ
الآية . حدثني
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 71 | محمد بن جرير الطبري