ذلك . حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله :
وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ
قال : قدما قدما في معاصي الله ، لا ينهاهم مخافة الله حتى جاءهم أمر الله .
حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق :
لَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ
أي لم يقيموا على معصيتي ، كفعل من أشرك بي فيما عملوا به من كفر بي . وقال آخرون : معنى ذلك : لم يواقعوا الذنب إذا هموا به . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن الحسن في قوله :
وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا
قال : إتيان العبد ذنبا إصرارا حتى يتوب . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله عز وجل :
وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا
قالوا : لم يواقعوا . وقال آخرون : معنى الإصرار : السكوت على الذنب ، وترك الاستغفار .
ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ
أما يصروا : فيسكتوا ولا يستغفروا . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندنا قول من قال : الإصرار الإقامة على الذنب عامدا ، أو ترك التوبة منه . ولا معنى لقول من قال : الإصرار على الذنب : هو مواقعته ؛ لأن الله عز وجل مدح بترك الإصرار على الذنب مواقع الذنب ، فقال :
وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ
؛ ولو كان المواقع الذنب مصرا بمواقعته إياه ، لم يكن للاستغفار وجه مفهوم ، لأن الاستغفار من الذنب إنما هو التوبة منه والندم ، ولا يعرف للاستغفار من ذنب لم يواقعه صاحبه وجه . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة " . حدثني بذلك الحسين بن يزيد السبيعي ، قال : ثنا عبد الحميد الحماني ، عن عثمان بن واقد ، عن أبي نصيرة ، عن مولى لأبي بكر ، عن أبي بكر ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . فلو كان مواقع الذنب مصرا ، لم يكن لقوله " ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة " معنى ، لأن مواقعة الذنب ، إذا كانت هي الإصرار ، فلا يزيل الاسم الذي لزمه معنى غيره ، كما لا يزيل عن الزاني اسم زان ، وعن القاتل اسم قاتل توبته منه ، ولا معنى غيرها ، وقد أبان هذا الخبر أن المستغفر من ذنبه غير مصر عليه ، فمعلوم بذلك أن الإصرار غير المواقعة ، وأنه المقام عليه على ما قلنا قبل . واختلف أهل التأويل في تأويل قولهم :
وَهُمْ يَعْلَمُونَ
فقال بعضهم : معناه : وهم يعلمون أنهم قد أذنبوا . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : أما
وَهُمْ يَعْلَمُونَ
فيعلمون أنهم قد أذنبوا ، ثم أقاموا فلم يستغفروا . وقال آخرون : معنى ذلك : وهم يعلمون أن الذي أتوا معصية الله . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق :
وَهُمْ يَعْلَمُونَ
قال : يعلمون ما حرمت عليهم من عبادة غيري . قال أبو جعفر : وقد تقدم بياننا أولى ذلك بالصواب . القول في تأويل قوله تعالى :
أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ
يعني تعالى ذكره بقوله : أولئك الذين ذكر أنه أعد لهم الجنة التي عرضها السماوات والأرض من المتقين ، ووصفهم به ، ثم قال : هؤلاء الذين هذه صفتهم
جَزاؤُهُمْ
يعني ثوابهم من أعمالهم التي وصفهم تعالى ذكره أنهم عملوها ،
مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ
يقول : عفو لهم من الله عن عقوبتهم على ما سلف من ذنوبهم ، ولهم على ما أطاعوا الله فيه من أعمالهم بالحسن منها جنات ، وهي البساتين
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
يقول : تجري خلال أشجارها الأنهار ، وفي أسافلها جزاء لهم على صالح أعمالهم ،
خالِدِينَ فِيها
يعني دائمي المقام في هذه الجنات التي