وصفها ، وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ يعني ونعم جزاء العاملين لله الجنات التي وصفها كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ أي ثواب المطيعين . القول في تأويل قوله تعالى : قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ يعني بقوله تعالى ذكره : قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ مضت وسلفت مني فيمن كان قبلكم يا معشر أصحاب محمد وأهل الإيمان به ، من نحو قوم عاد وثمود ، وقوم هود ، وقوم لوط وغيرهم من سلاف الأمم قبلكم سنن ، يعني ثلاث سير بها فيهم وفيمن كذبوا به من أنبيائهم الذين أرسلوا إليهم ، بإمهالي أهل التكذيب بهم ، واستدراجي إياهم ، حتى بلغ الكتاب فيهم أجله الذي أجلته لإدالة أنبيائهم وأهل الإيمان بهم عليهم ، ثم أحللت بهم عقوبتي ، وأنزلت بساحتهم نقمتي ، فتركتهم لمن بعدهم أمثالا وعبرا . فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ يقول : فسيروا أيها الظانون أن إدالتي من أدلت من أهل الشرك يوم أحد على محمد وأصحابه لغير استدراج مني لمن أشرك بي ، وكفر برسلي ، وخالف أمري في ديار الأمم الذين كانوا قبلكم ، ممن كان على مثل الذي عليه هؤلاء المكذبون برسولي ، والجاحدون وحدانيتي ، فانظروا كيف كان عاقبة تكذيبهم أنبيائي ، وما الذي آل إليه عن خلافهم أمري ، وإنكارهم وحدانيتي ، فتعلموا عند ذلك أن إدالتي من أدلت من المشركين على نبي محمد وأصحابه بأحد ، إنما هي استدراج وإمهال ، ليبلغ الكتاب أجله الذي أجلت لهم ، ثم إما أن يؤول حالهم إلى مثل ما آل إليه حال الأمم الذين سلفوا قبلهم من تعجيل العقوبة عليهم ، أو ينيبوا إلى طاعتي واتباع رسولي . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن سنان ، قال : ثنا أبو بكر ، قال : ثنا عباد ، عن الحسن في قوله : قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ فقال : ألم تسيروا في الأرض ، فتنظروا كيف عذب الله قوم نوح ، وقوم لوط ، وقوم صالح ، والأمم التي عذب الله عز وجل ؟ حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ يقول : في الكفار والمؤمنين ، والخير والشر . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ في المؤمنين والكفار . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : استقبل ذكر المصيبة التي نزلت بهم يعني بالمسلمين يوم أحد والبلاء الذي أصابهم ، والتمحيص لما كان فيهم ، واتخاذه الشهداء منهم ، فقال تعزية لهم ، وتعريفا لهم فيما صنعوا وما هو صانع بهم : قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ أي قد مضت مني وقائع نقمة في أهل التكذيب لرسلي والشرك في : عاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مدين ، فسيروا في الأرض تروا مثلات قد مضت فيهم ، ولمن كان على مثل ما هم عليه من ذلك مني ، وإن أمكنت لهم : أي لئلا يظنوا أن نقمتي انقطعت عن عدوهم وعدوي للدولة التي أدلتها عليكم بها ؛ لأبتليكم بذلك ، لأعلم ما عندكم . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ يقول : متعهم في الدنيا قليلا ، ثم صيرهم إلى النار . وأما السنن ، فإنها جمع سنة ، والسنة ، هي المثال المتبع ، والإمام المؤتم به ، يقال منه : سن فلان فينا سنة حسنة ، وسن سنة سيئة : إذا عمل عملا اتبع عليه من خير وشر ، ومنه قول لبيد بن ربيعة :
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 65
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٦٥
من معشر سنت لهم آباؤهم * ولكل قوم سنة وإمامها