أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله :
رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ
قال : ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأولى القولين في ذلك بالصواب قول محمد بن كعب ، وهو أن يكون المنادي القرآن ؛ لأن كثيرا ممن وصفهم الله بهذه الصفة في هذه الآيات ليسوا ممن رأى النبي صلى الله عليه وسلم ولا عاينه ، فسمعوا دعاءه إلى الله تبارك وتعالى ونداءه ، ولكنه القرآن . وهو نظير قوله جل ثناؤه مخبرا عن الجن إذ سمعوا كلام الله يتلى عليهم أنهم قالوا :
إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ
وبنحو ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ
إلى قوله :
وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ
سمعوا دعوة من الله فأجابوها ، فأحسنوا الإجابة فيها ، وصبروا عليها ، ينبئكم الله عن مؤمن الإنس كيف قال ، وعن مؤمن الجن كيف قال ، فأما مؤمن الجن ، فقال :
إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً
؛ وأما مؤمن الإنس ، فقال :
إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا
الآية . وقيل :
إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ
يعني :
ينادي إلى الإيمان ، كما قال تعالى ذكره :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا
بمعنى : هدانا إلى هذا ، وكما قال الراجز :
أوحى لها القرار فاستقرت * وشدها بالراسيات الثبت
بمعنى : أوحى إليها ، ومنه قوله :
بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها
وقيل : محتمل أن يكون معناه : إننا سمعنا مناديا للإيمان ينادي أن آمنوا بربكم . فتأويل الآية إذا : ربنا سمعنا داعيا يدعو إلى الإيمان يقول إلى التصديق بك ، والإقرار بوحدانيتك ، واتباع رسولك وطاعته ، فيما أمرنا به ، ونهانا عنه ، مما جاء به من عندك فآمنا ربنا ، يقول : فصدقنا بذلك يا ربنا ، فاغفر لنا ذنوبنا ، يقول : فاستر علينا خطايانا ، ولا تفضحنا بها في القيامة على رؤوس الأشهاد ، بعقوبتك إيانا عليها ، ولكن كفرها عنا ، وسيئات أعمالنا فامحها بفضلك ورحمتك إيانا ، وتوفنا مع الأبرار ، يعني بذلك : واقبضنا إليك إذا قبضتنا إليك في عداد الأبرار ، واحشرنا محشرهم ومعهم ؛ والأبرار جمع بر ، وهم الذين بروا الله تبارك وتعالى بطاعتهم إياه وخدمتهم له ، حتى أرضوه فرضي عنهم . القول في تأويل قوله تعالى :
رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ
إن قال لنا قائل : وما وجه مسألة هؤلاء القوم ربهم أن يؤتيهم ما وعدهم ، وقد علموا أن الله منجز وعده ، وغير جائز أن يكون منه إخلاف موعد ؟ قيل : اختلف في ذلك أهل البحث ، فقال بعضهم : ذلك قول خرج مخرج المسألة ، ومعناه الخبر ، قالوا : وإنما تأويل الكلام : ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ، ربنا فاغفر لنا ذنوبنا ، وكفر عنا سيئاتنا ، وتوفنا مع الأبرار ، لتؤتينا ما وعدتنا على رسلك ، ولا تخزنا يوم القيامة ، قالوا : وليس ذلك على أنهم قالوا : إن توفيتنا مع الأبرار فانجز لنا ما وعدتنا لأنهم قد علموا أن الله لا يخلف الميعاد ، وأن ما وعد على ألسنة رسله ليس يعطيه بالدعاء ، ولكنه تفضل بإيتائه ، ثم ينجزه . وقال آخرون : بل ذلك قول من قائله على معنى المسألة والدعاء لله ، بأن يجعلهم ممن آتاهم ما وعدهم من الكرامة على ألسن رسله ، لا أنهم كانوا قد استحقوا منزلة الكرامة عند الله في أنفسهم ، ثم سألوه أن يؤتيهم ما وعدهم بعد علمهم باستحقاقهم عند أنفسهم ، فيكون ذلك منهم مسألة لربهم أن لا يخلف وعده ، قالوا : ولو كان القوم إنما سألوا ربهم أن يؤتيهم ما وعد الأبرار ، لكانوا قد زكوا أنفسهم ، وشهدوا لها أنها ممن قد استوجب كرامة الله وثوابه ، قالوا : وليس ذلك صفة أهل الفضل من المؤمنين . وقال آخرون : بل قالوا هذا القول على وجه المسألة ، والرغبة منهم إلى الله أن