تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
وسلم ، واشتد عليهم الذي أصابهم . وإن رسول الله ندب الناس لينطلقوا معه ، ويتبعوا ما كانوا متبعين ، وقال " إنما يرتجلون الآن فيأتون الحج ولا يقدرون على مثلها حتى عام مقبل " فجاء الشيطان فخوف أولياءه فقال : إن الناس قد جمعوا لكم . فأبى عليه الناس أن يتبعوه ، فقال : " إني ذاهب وإن لم يتبعني أحد لأحضض الناس " فانتدب معه أبو بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي ، والزبير وسعد وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وأبو عبيدة بن الجراح في سبعين رجلا . فساروا في طلب أبي سفيان ، فطلبوه حتى بلغوا الصفراء ، فأنزل الله تعالى :
الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ
حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا هاشم بن القاسم ، قال : ثنا أبو سعيد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عروة ، عن عائشة أنها قالت لعبد الله بن الزبير : يا ابن أختي ، أما والله إن أباك وجدك تعني : أبا بكر والزبير لممن قال الله تعالى فيهم :
الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ
حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : أخبرت أن أبا سفيان بن حرب لما راح هو وأصحابه أبو سفيان بن حرب يوم أحد قال المسلمون للنبي صلى الله عليه وسلم : إنهم عامدون إلى المدينة ، فقال : " إن ركبوا الخيل وتركوا الأثقال فإنهم عامدون إلى المدينة ، وإن جلسوا على الأثقال وتركوا الخيل فقد أرعبهم الله وليسوا بعامديها " ، فركبوا الأثقال ، فرعبهم الله . ثم ندب ناسا يتبعونهم ليروا أن بهم قوة ، فاتبعوهم ليلتين أو ثلاثا ، فنزلت :
الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ
حدثني سعيد بن الربيع ، قال : ثنا سفيان ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عروة ، قال : قالت لي عائشة : إن كان أبواك لمن الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح . تعني : أبا بكر والزبير . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، قال : كان عبد الله من الذين استجابوا لله والرسول . فوعد تعالى ذكره محسن من ذكرنا أمره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم :
الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ
إذا اتقى الله فخافه ، فأدى فرائضه وأطاعه في أمره ونهيه فيما يستقبل من عمره أجرا عظيما ، وذلك الثواب الجزيل ، والجزاء العظيم ، على ما قدم من صالح أعماله في الدنيا . القول في تأويل قوله تعالى :
الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
يعني تعالى ذكره : وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين الذين قال لهم الناس : إن الناس قد جمعوا لكم ، والذين في موضع خفض مردود على المؤمنين ، وهذه الصفة من صفة الذين استجابوا لله والرسول والناس الأول هم قوم فيما ذكر لنا ، كان أبو سفيان سألهم أن يثبطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين خرجوا في طلبه بعد منصرفه عن أحد إلى حمراء الأسد ؛ والناس الثاني : هم أبو سفيان وأصحابه من قريش الذين كانوا معه بأحد ، يعني بقوله :
قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ
قد جمعوا الرجال للقائكم ، والكرة إليكم لحربكم
فَاخْشَوْهُمْ
يقول : فاحذروهم ، واتقوا لقاءهم ، فإنه لا طاقة لكم بهم ،
فَزادَهُمْ إِيماناً
يقول : فزادهم ذلك من تخويف من خوفهم أمر أبي سفيان وأصحابه من المشركين يقينا إلى يقينهم ، وتصديقا لله ولوعده ووعد رسوله إلى تصديقهم ، ولم يثنهم ذلك عن وجههم الذي أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسير فيه ، ولكن ساروا حتى بلغوا رضوان الله منه ، وقالوا ثقة بالله ، وتوكلا عليه ، إذ خوفهم من خوفهم أبا سفيان وأصحابه من المشركين
حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
يعني بقوله : حسبنا الله : كفانا الله ، يعني : يكفينا الله ؛ ونعم الوكيل ، يقول : ونعم المولى لمن وليه وكفله ؛ وإنما وصف تعالى نفسه بذلك لأن الوكيل في كلام العرب : هو المسند