تهوي على دين أبيها الأتلد * قد جعل ماء قديد موعدي
وماء ضجنان لها ضحى الغد
حدثني الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا ابن عيينة ، عن عمرو ، عن عكرمة ، قال :
كانت بدر متجرا في الجاهلية ، فخرج ناس من المسلمين يريدونه ، ولقيهم ناس من المشركين فقالوا لهم :
إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ
، فأما الجبان فرجع ، وأما الشجاع فأخذ الأهبة للقتال وأهبة التجارة ،
وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
، فأتوهم فلم يلقوا أحدا ، فأنزل الله عز وجل فيهم :
إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ
. قال ابن يحيى ، قال عبد الرزاق ، قال ابن عيينة : وأخبرني زكريا عن الشعبي ، عن عبد الله بن عمرو قال : هي كلمة إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين ألقي في النار ، فقال :
حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال : إن الذي قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من أن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ، كان في حال خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخروج من خرج معه في أثر أبي سفيان ، ومن كان معه من مشركي قريش منصرفهم عن أحد إلى حمراء الأسد ؛ لأن الله تعالى ذكره إنما مدح الذين وصفهم بقيلهم :
حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
لما قيل لهم : إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ، بعد الذي قد كان نالهم من القروح والكلوم ، بقوله :
الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ
ولم تكن هذه الصفة إلا صفة من تبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من جرحى أصحابه بأحد إلى حمراء الأسد . وأما قول الذين خرجوا معه إلى غزوة بدر الصغرى ، فإنه لم يكن فيهم جريج ، إلا جريح قد تقادم اندمال جرحه ، وبرأ كلمه ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما خرج إلى بدر الخرجة الثانية إليها لموعد أبي سفيان الذي كان وأعده اللقاء بها بعد سنة من غزوة أحد في شعبان سنة أربع من الهجرة ، وذلك أن وقعة أحد كانت في النصف من شوال من سنة ثلاث ، وخروج النبي صلى الله عليه وسلم لغزوة بدر الصغرى إليها في شعبان من سنة أربع ، ولم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم بين ذلك وقعة مع المشركين كانت بينهم فيها حرب جرح فيها أصحابه ، ولكن قد كان قتل في وقعة الرجيع من أصحابه جماعة لم يشهد أحد منهم غزوة بدر الصغرى ، وكانت وقعة الرجيع فيما بين وقعة أحد وغزوة النبي صلى الله عليه وسلم بدر الصغرى . القول في تأويل قوله تعالى :
فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ
يعني جل ثناؤه بقوله :
فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ
فانصرف الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح من وجههم الذي توجهوا فيه ، وهو سيرهم في أثر عدوهم إلى حمراء الأسد .
بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ
يعني : بعافية من ربهم لم يلقوا بها عدوا .
وَفَضْلٍ
يعني : أصابوا فيها من الأرباح بتجارتهم التي اتجروا بها ، والأجر الذي اكتسبوه .
لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ
يعني : لم ينلهم بها مكروه من عدوهم ولا أذى .
وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ
يعني بذلك أنهم أرضوا الله بفعلهم ذلك واتباعهم رسوله إلى ما دعاهم إليه من اتباع أثر العدو وطاعتهم .
وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ
يعني : والله ذو إحسان وطول عليهم بصرف عدوهم الذي كانوا قد هموا بالكرة إليهم ، وغير ذلك من أياديه عندهم ، وعلى غيرهم بنعمه ، عظيم عند من أنعم به عليه من خلقه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ
قال : والفضل : ما أصابوا من التجارة والأجر . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قال : وافقوا السوق فابتاعوا ، وذلك