تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
بما بشرته به ، عن أمر الله إياها به ؟ أشك في صدقهم ؟ فذلك مالا يحوز أن يوصف به أهل الإيمان بالله ، فكيف الأنبياء والمرسلون ؟ أم كان ذلك منه استنكارا لقدرة ربه ؟ فذلك أعظم في البلية قيل : كان ذلك منه صلى الله عليه وسلم على غيره ما ظننت ، بل كان قيله ما قال من ذلك ، كما : حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : لما سمع النداء يعني زكريا لما سمع نداء الملائكة بالبشارة بيحيى جاءه الشيطان فقال له : يا زكريا إن الصوت الذي سمعت ليس هو من الله ، إنما هو من الشيطان يسخر بك ، ولو كان من الله أوحاه إليك ، كما يوحى إليك في غيره من الأمر فشك مكانه ، وقال :
أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ
ذكر ، يقول : ومن أين
وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ
. حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن أبي بكر ، عن عكرمة ، قال : فأتاه الشيطان ، فأراد أن يكدر عليه نعمة ربه ، فقال : هل تدري من ناداك ؟ قال : نعم ، ناداني ملائكته ربي ، قال : بل ذلك الشيطان ، لو كان هذا من ربك لأخفاه إليك كما أخفيت نداءك ، فقال :
رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً
. فكان قوله ما قال من ذلك ، ومراجعته ربه فيما راجع فيه بقوله :
أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ
للوسوسة التي خالطت قلبه من الشيطان ، حتى خيلت إليه أن النداء الذي سمعه كان نداء من غير الملائكة ، فقال :
رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ
مستثبتا في أمره لتقرر عنده بآية ، يريه الله في ذلك أنه بشارة من الله على ألسن ملائكته ، ولذلك قال :
رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً
. وقد يجوز أن يكون قيله ذلك مسألة منه ربه : من أي وجه يكون الولد الذي بشر به ، أمن زوجته فهي عاقر ، أم من غيرها من النساء ؟ فيكون ذلك على غير الوجه الذي قاله عكرمة والسدي ، ومن قال مثل قولهما . القول في تأويل قوله تعالى :
قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ
يعني جل ثناؤه بقوله :
كَذلِكَ اللَّهُ
أي هو ما وصف به نفسه ، أنه هين عليه أن يخلق ولدا من الكبير الذي قد يئس من الولد ، ومن العاقر التي لا يرجى من مثلها الولادة ، كما خلقك يا زكريا من قبل خلق الولد منك ولم تك شيئا ، لأنه الله الذي لا يتعذر عليه خلق شيء أراده ، ولا يمتنع عليه فعل شيء شاءه ، لأن قدرته القدرة التي لا يشبهها قدرة . كما : حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال :
كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ
وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا . القول في تأويل قوله تعالى :
قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً
يعني بذلك جل ثناؤه خبرا عن زكريا ، قال زكريا ، يا رب إن كان هذا النداء الذي نوديته ، والصوت الذي سمعته صوت ملائكتك ، وبشارة منك لي ، فاجعل لي آية يقول : علامة أن ذلك كذلك ، ليزول عني ما قد وسوس إلي الشيطان فألقاه في قلبي ، من أن ذلك صوت غير الملائكة ، وبشارة من عند غيرك . كما : حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً
قال : قال يعني زكريا : يا ربي فإن كان هذا الصوت منك ، فاجعل لي آية . وقد دللنا فيما مضى على معنى الآية ، وأنها العلامة ، بما أغنى عن إعادته . وقد اختلف أهل العربية في سبب