وأنتم تريدون أكل أموالهم بالباطل ، وتجعلون مخالطتكم إياهم ذريعة لكم إلى إفساد أموالهم ، وأكلها بغير حقها ، فتستوجبوا بذلك منه العقوبة التي لا قبل لكم بها ، فإنه يعلم من خالط منكم يتيمه ، فشاركه في مطعمه ومشربه ومسكنه وخدمه ورعاته في حال مخالطته إياه ما الذي يقصد بمخالطته إياه إفساد ماله ، وأكله بالباطل ، أم إصلاحه وتثميره ، لأَنه لا يخفي عليه منه شيء ، ويعلم أيكم المريد إصلاح ماله ، من المريد إفساده . كما : حدثني يونس ، قال :
أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قول الله تعالى ذكره :
وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ
قال : الله يعلم حين تخلط مالك بماله أتريد أن تصلح ماله أو تفسده فتأكله بغير حق . حدثني أبو السائب ، قال : ثنا أشعث ، عن الشعبي :
وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ
قال الشعبي : فمن خالط يتيما فليتوسع عليه ، ومن خالطه ليأكل ماله فلا يفعل . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ
يعني تعالى ذكره بذلك : ولو شاء الله لحرم ما أحله لكم من مخالطة أيتامكم بأموالكم أموالهم ، فجهدكم ذلك وشق عليكم ، ولم تقدروا على القيام باللازم لكم من حق الله تعالى ، والواجب عليكم في ذلك من فرضه ، ولكنه رخص لكم فيه ، وسهله عليكم ، رحمة بكم ورأفة .
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله :
لَأَعْنَتَكُمْ
فقال بعضهم بما : حدثني به محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن قيس بن سعد ، أو عيسى ، عن قيس بن سعد ، عن مجاهد شك أبو عاصم في قول الله تعالى ذكره :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ
لحرم عليكم المرعى والأَدم . قال أبو جعفر : يعني بذلك مجاهد ، رعي مواشي والي اليتيم مع مواشي اليتيم والأَكل من إدامه ، لأَنه كان يتأول في قوله :
وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ
أنه خلطة الولي اليتيم بالرعي والأَدم . حدثني علي بن داود ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ
يقول : ولو شاء الله لأَحرجكم ، فضيق عليكم ، ولكنه وسع ويسر ، فقال :
وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ
. حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال :
ثنا سعيد ، عن قتادة :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ
يقول : لجهدكم ، فلم تقوموا بحق ولم تؤدوا فريضة . حدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع نحوه ، إلا أنه قال : فلم تعملوا بحق . حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ
لشدد عليكم . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال :
قال ابن زيد في قول الله :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ
قال : لشق عليكم في الأَمر ، ذلك العنت . حدثنا ابن حميد ، قال :
ثنا جرير ، عن منصور ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس قوله :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ
قال : ولو شاء الله لجعل ما أصبتم من أموال وهذه الأَقوال التي ذكرناها عمن ذكرت عنه ، وإن اختلفت ألفاظ قائليها فيها ، فإنها متقاربات المعاني ؛ لأَن من حرم عليه شيء فقد ضيق عليه في ذلك الشيء ، ومن ضيق عليه في شيء ، فقد أحرج فيه ، ومن أحرج في شيء أو ضيق عليه فيه فقد جهد ، وكل ذلك عائد إلى المعنى الذي وصفت من أن معناه الشدة والمشقة ، ولذلك قيل : عنت فلان : إذا شق عليه وجهده فهو يعنت عنتا ، كما قال تعالى ذكره :
عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ
يعنى ما شق عليكم وآذاكم وجهدكم ، ومنه قوله تعالى ذكره :
ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ
فهذا إذا عنت العانت ، فإن صيره غيره كذلك قيل : أعنته فلان في كذا : إذا جهده وألزمه أمرا جهده القيام به يعنته إعناتا ، فكذلك قوله :
لَأَعْنَتَكُمْ
معناه : لأَوجب لكم العنت بتحريمه عليكم ما يجهدكم ويحرجكم مما لا تطيقون القيام باجتنابه وأداء الواجب له عليكم فيه . وقال آخرون : معنى ذلك : لأَوبققم وأهلككم . ذكر من قال ذلك :