تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
النبوة والعهد من التوراة ، وتتركون أنفسكم : أي وأنتم تكفرون بما فيها من عهدي إليكم في تصديق رسولي ، وتنقضون ميثاقي ، وتجحدون ما تعلمون من كتابي . وحدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس في قوله :
أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ
يقول : أتأمرون الناس بالدخول في دين محمد صلى الله عليه وسلم ، وغير ذلك مما أمرتم به من إقام الصلاة
وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ
. وقال آخرون بما : حدثني به موسى بن هارون ، قال : حدثني عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدي :
أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ
قال : كانوا يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه وهم يعصونه . وحدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر عن قتادة في قوله :
أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ
قال : كان بنو إسرائيل يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه وبالبر ويخالفون ، فعيرهم الله . وحدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثنا الحجاج ، قال : قال ابن جريج :
أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ
أهل الكتاب والمنافقون كانوا يأمرون الناس بالصوم والصلاة ، ويدعون العمل بما يأمرون به الناس ، فعيرهم الله بذلك ، فمن أمر بخير فليكن أشد الناس فيه مسارعة . وقال آخرون بما : حدثني به يونس بن عبد الأَعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : هؤلاء اليهود كان إذا جاء الرجل يسألهم ما ليس فيه حق ولا رشوة ولا شيء ، أمروه بالحق ، فقال الله لهم :
أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ
وحدثني علي بن الحسن ، قال : حدثنا مسلم الحرمي ، قال : حدثنا مخلد بن الحسين ، عن أيوب السختياني ، عن أبي قلابة في قول الله :
أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ
قال : قال أبو الدرداء : لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتا . قال أبو جعفر : وجميع الذي قال في تأويل هذه الآية من ذكرنا قوله متقارب المعنى ؛ لأَنهم وإن اختلفوا في صفة البر الذي كان القوم يأمرون به غيرهم الذين وصفهم الله بما وصفهم به ، فهم متفقون في أنهم كانوا يأمرون الناس بما لله فيه رضا من القول أو العمل ، ويخالفون ما أمروهم به من ذلك إلى غيره بأفعالهم . فالتأويل الذي يدل على صحته ظاهر التلاوة إذا : أتأمرون الناس بطاعة الله وتتركون أنفسكم تعصيه ، فهلا تأمرونها بما تأمرون به الناس من طاعة ربكم معيرهم بذلك ومقبحا إليهم ما أتوا به . ومعنى نسيانهم أنفسهم في هذا الموضع نظير النسيان الذي قال جل ثناؤه :
نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ
بمعنى : تركوا طاعة الله فتركهم الله من ثوابه . القول في تأويل قوله تعالى :
وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ
قال أبو جعفر : يعني بقوله :
تَتْلُونَ
تدرسون وتقرءون . كما : حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر ، عن أبي روق ، عن الضحاك عن ابن عباس :
وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ
يقول : تدرسون الكتاب بذلك . ويعني بالكتاب : التوراة . القول في تأويل قوله تعالى :
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
قال أبو جعفر : يعني بقوله :
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
أفلا تفقهون وتفهمون قبح ما تأتون من معصيتكم ربكم التي تأمرون الناس بخلافها وتنهونهم عن ركوبها وأنتم راكبوها ، وأنتم تعلمون أن الذي عليكم من حق الله وطاعته في اتباع محمد والإِيمان به وبما جاء به مثل الذي على من تأمرونه باتباعه . كما : حدثنا به محمد بن العلاء ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق عن الضحاك ، عن ابن عباس :
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
يقول : أفلا تفهمون فنهاهم عن هذا الخلق القبيح . وهذا يدل على صحة ما قلنا من أمر أحبار يهود بني إسرائيل غيرهم باتباع محمد صلى الله عليه وسلم ، وأنهم كانوا يقولون هو مبعوث إلى غيرنا كما ذكرنا قبل . القول في تأويل قوله تعالى ذكره :
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه :
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ
استعينوا على
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 204 | محمد بن جرير الطبري