اليقين أكثر من أن تحصى ، وفيما ذكرنا لمن وفق لفهمه كفاية . ومنه قول الله جل ثناؤه :
وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها
وبمثل الذي قلنا في ذلك جاء تفسير المفسرين . حدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا آدم ، قال : حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية في قوله :
يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ
قال : إن الظن هاهنا يقين . وحدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا سفيان ، عن جابر ، عن مجاهد ، قال : كل ظن في القرآن يقين ، إني ظننت وظنوا . وحدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق ، قال : حدثنا أبو داود الحفري ، عن سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : كل ظن في القرآن فهو علم . وحدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدي :
الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ
أما يظنون فيستيقنون . وحدثني القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال :
حدثني حجاج ، قال : قال ابن جريج :
الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ
علموا أنهم ملاقو ربهم ، هي كقوله :
إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ
يقول علمت . وحدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله :
الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ
قال : لأَنهم لم يعاينوا ، فكان ظنهم يقينا ، وليس ظنا في شك .
وقرأ :
إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ
القول في تأويل قوله تعالى :
أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ
قال أبو جعفر : إن قال لنا قائل : وكيف قيل إنهم ملاقو ربهم فأضيف الملاقون إلى الرب جل ثناؤه وقد علمت أن معناه : الذين يظنون أنهم يلقون ربهم ؟ وإذا كان المعنى كذلك ، فمن كلام العرب ترك الإِضافة وإثبات النون ، وإنما تسقط النون وتضيف في الأَسماء المبنية من الأَفعال إذا كانت بمعنى فعل ، فأما إذا كانت بمعنى يفعل وفاعل ، فشأنها إثبات النون ، وترك الإِضافة . قيل : لا تدافع بين جميع أهل المعرفة بلغات العرب وألسنها في إجازة إضافة الاسم المبني من فعل ويفعل ، وإسقاط النون وهو بمعنى يفعل وفاعل ، أعني بمعنى الاستقبال وحال الفعل ولما ينقض ، فلا وجه لمسألة السائل عن ذلك : لم قيل ؟ وإنما اختلف أهل العربية في السبب الذي من أجله أضيف وأسقطت النون .
فقال نحويو البصرة : أسقطت النون من :
مُلاقُوا رَبِّهِمْ
وما أشبهه من الأَفعال التي في لفظ الأَسماء وهي في معنى يفعل وفي معنى ما لم ينقض استثقالا لها ، وهي مرادة كما قال جل ثناؤه :
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
وكما قال :
إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ
ولما يرسلها بعد ؛ وكما قال الشاعر :
هل أنت باعث دينار لحاجتنا * أو عبد رب أخا عون بن مخراق
فأضاف باعثا إلى الدينار ، ولما يبعث ، ونصب عبد رب عطفا على موضع دينار لأَنه في موضع نصب وإن خفض . وكما قال الآخر :
الحافظو عورة العشيرة لا * يأتيهم من ورائهم نطف
بنصب العورة وخفضها . فالخفض على الإِضافة ، والنصب على حذف النون استثقالا ، وهي مرادة .
وهذا قول نحويي البصرة . وأما نحويو الكوفة فإنهم قالوا : جائز في
مُلاقُوا
الإِضافة ، وهي في معنى يلقون ، وإسقاط النون منه لأَنه في لفظ الأَسماء ، فله في الإِضافة إلى الأَسماء حظ الأَسماء ، وكذلك حكم كل اسم له كان نظيرا . قالوا : وإذا أثبت في شيء من ذلك النون وتركت الإِضافة ، فإنما تفعل ذلك