( مسألة 332 ) : يكره كراهة شديدة أن يتملّك من الفقير ما تصدّق به بشراء أو اتّهاب أو بسبب آخر ، بل قيل بحرمته . نعم لا بأس بأن يرجع إليه بالميراث .
( مسألة 333 ) : يكره ردّ السائل « 1 » ولو ظنّ غناه ، بل يعطي ولو شيئاً يسيراً .
هامش
( 1 ) - هذا هو حكم الردّ بما هو هو ، وإلّا فيختلف حكمه بالعوارض والطوارئ ، بل قد يصير الردّ واجباً ، وإعطاء الصدقة حراماً ، كما إذا كان في الإعطاء ضرر خاصّ على السائل ، مثل ما إذا انجرّ إلى صيرورته كلّاً على الناس ، وأخلّ بعرضه وشرفه ، وإلى إيجابه كثرة السائلين رغم قدرتهم البدنية ، وقدرتهم على العمل والاكتساب ، وصيرورتهم كلّاً على الناس .
ثمّ لا يخفى أنّ من أفضل الصدقات ما أوجب الكفاءة الذاتية للسائل وأغناه عن السؤال بالكفّ ، وجعله قائماً على رجليه في حياته وعيشه ، وأوصله إلى حدّ يقدر على حرفة أو تجارة أو عمل يسع مؤونته ومؤونة أهله وعياله ، فإنّه خير معروف في حقّه وأفضل عمل يغنيه ويحفظه عن انتهاك حرمته وزوال عزّه بذلّ السؤال ، كما روي أنّ أمير المؤمنين عليه السلام باع حديقته التي غرسها له النبيّ صلى الله عليه وآله وسقاها هو بيده باثني عشر ألف درهم ، وراح إلى عياله وقد تصدّق بأجمعها ، فقالت له فاطمة عليها السلام : « تعلم أنّ لنا أيّاماً لمنذق فيها طعاماً وقد بلغ بنا الجوع ! وما أظنّك إلّاكأحدنا فهلّا تركت لنا من ذلك قوتاً ؟ فقال عليه السلام : منعني من ذلك وجوه أشفقت أن أرى عليها ذلّ السؤال » . ( بحار الأنوار 93 : 136 )
وقد ورد في روايات كثيرة ذمّ السؤال بالكفّ ، وأنّه ليس من خصال الشيعة ، وعن النبيّ صلى الله عليه وآله : « لو أنّ أحدكم يأخذ حبلًا فيأتي بحزمة حطب على ظهره فيبيعها فيكفّ بها وجهه خير له من أن يسأل » . ( بحار الأنوار 93 : 158 )
فكلّ عمل أو صدقة يغني الفقير عن السؤال هو من أفضل الصدقات و « كلّ معروف صدقة » ( وسائل الشيعة 9 : 459 / 1 ) وخيره ما يحفظ حرمة الفقير وكرامته ، فإنّ الإنسان له حقّ الحياة بعزّة واستقلال وشرف وكرامة ، فخيره ما يجعل السائل غير محتاج إلى صدقة ، وأفضل الصدقة صدقة تجرّ المنفعة إلى الأخ المسلم ، كما في النبويّ الشريف في فضل صدقة اللسان ، ( بحار الأنوار 13 : 389 ) وأيّ منفعة أعظم للسائل والمحروم ممّا يورث الكفاءة الذاتية ويحفظ المرء عن ذلّ السؤال وهتك عرضه ، ويخرجه من صنف الفقراء إلى جماعة الأغنياء بالفعل أو بالقوّة .
هذا كلّه مع تأييده بمانقله « الكافي » في كتاب الإيمان والكفر في باب القناعة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال : « اشتدّت حال رجل من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله فقالت له امرأته : لو أتيت رسول اللّه صلى الله عليه وآله فسألته ، فجاء إلى النبيّ صلى الله عليه وآله فلمّا رآه النبيّ صلى الله عليه وآله قال : من سألنا أعطيناه ومن استغنى أغناه اللّه ، فقال الرجل ما يعني غيري ، فرجع إلى امرأته فأعلمها فقالت : إنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله بشرٌ فأعلِمه ، فأتاه فلّما رآه رسول اللّه صلى الله عليه وآله قال : من سألنا أعطيناه ومن استغنى أغناه اللّه ، حتّى فعل الرجل ذلك ثلاثاً ، ثمّ ذهب الرجل فاستعار معولًا ، ثمّ أتى الجبل فصعده فقطع حطباً ، ثمّ جاء به فباعه بنصف مُدّ من دقيق ، فرجع به فأكله ، ثمّ ذهب من الغد فجاء بأكثر من ذلك فباعه ، فلم يزل يعمل ويجمع حتّى اشترى معولًا ، ثمّ جمع حتّى اشترى بكرين وغلاماً ، ثمّ أثرى حتّى أيسر ، فجاء إلى النبيّ صلى الله عليه وآله فأعلمه كيف جاء يسأله وكيف سمع النبيّ صلى الله عليه وآله ، فقال النبيّ صلى الله عليه وآله : قلت لك : من سألنا أعطيناه ومن استغنى أغناه اللّه » . ( الكافي 2 : 139 )
فانظر إلى عمله صلى الله عليه وآله من إرشاد السائل إلى الاستغناء والكفاءة الذاتية ، بل ومن تكرار قوله صلى الله عليه وآله : « من سألنا أعطيناه ومن استغنى أغناه اللّه » يعلم أنّ هذهِ سيرته وسنّته ، فعلينا متابعته وقد جعله اللّه تعالى أسوة للناس ، فقال : « لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّه اسْوةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّه وَاليَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً » . ( الأحزاب ( 33 ) : 21 )