هامش
واحتمل قتله - روايتان إحديهما : رواية عمرو بن أبي المقدام ، أنّ رجلًا قال لأبي جعفر المنصور - وهو يطوف - : يا أمير المؤمنين ، إنّ هذين الرجلين طرقا أخي ليلًا ، فأخرجاه من منزله فلم يرجع إليّ ، وواللّه ما أدري ما صنعا به ؟ فقال لهما : ما صنعتما به ؟ فقالا : يا أمير المؤمنين كلّمناه ثمّ رجع إلى منزله - إلى أن قال : - فقال لأبي عبداللّه جعفر بن محمّد عليهما السلام : اقض بينهم - إلى أن قال : - فقال : « يا غلام أكتب : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم : كلُّ من طرق رجلًا بالليل فأخرجه من منزله فهو ضامن إلّاأن يقيم عليه البيّنة أنّه قد ردّه إلى منزله ، يا غلام نحّ هذا فاضرب عنقه » ، فقال : يا بن رسول اللّه ، واللّه ما أنا قتلته ولكنّي أمسكته ، ثمّ جاء هذا فوجأه فقتله ، فقال : « أنا ابن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يا غلام نحّ هذا فاضرب ( عنقه للآخر ) » ، فقال : يا بن رسول اللَّه ، ماعذّبته ولكنّي قتلته بضربة واحدة ، فأمر أخاه فضرب عنقه ، ثمّ أمر بالآخر فضرب جنبيه وحبسه في السجن ووقع على رأسه يحبس عمره ، ويضرب في كلّ سنة خمسين جلدة . ثانيتهما : رواية عبداللّه بن ميمون ، عن أبي عبداللّه عليه السلام قال : « إذا دعا الرجل أخاه بليل فهو له ضامن حتّى يرجع إلى بيته » . ( وسائل الشيعة 29 : 51 / 1 و 2 )
وفي الاستدلال بهما مناقشة ؛ لما في سند الأولى من الضعف بعمرو بن أبي المقدام ( ثابت بن هرمز ) وحكم بن مسكين ؛ لكونهما مجهولين ، ولما في دلالتها من كون المورد لها الإطراق ليلًا والإخراج من منزله ، وهذا غير ما في المتن والعبائر من الدعوة ، كما لا يخفى ، فلا يبعد كون الإطلاق في قوله صلى الله عليه وآله وسلم محمولًا على صورة الاتّهام ، ولما فيها من المخالفة للقواعد كأخذ الإقرار تهديداً الذي ليس بحجّة ، ومن ضرب جنبي الممسك ، وضربه خمسين سوطاً في كلّ سنة ، ومن التوقيع على رأسه ، فليس شيء من هذه الأحكام مورداً للنصّ ولا الفتوى في الممسك في قتل العمد فإنّ الحكم فيه الحبس أبداً فقط .
وما في « مجمع الفائدة والبرهان » من كونه « حكماً في قضيّة يعمله عليه السلام أنّه هكذا يجب ولايتعدّى إلى غيره » ( مجمع الفائدة والبرهان 14 : 254 ) غير مجدٍ في رفع الإشكال عن إطلاق قول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، فإنّه ليس قضيّة شخصية كما هو الواضح ، ولا في رفع الإشكال عن أخذ الإقرار بالتهديد ؛ لأنّه مخالف لظاهر الشرع ، وعِلمه بالواقع ليس موجباً لارتكابه عليه السلام ما يوجب نسبة الخلاف إليه ، هذا ، مع أنّه على فرض كونه عليه السلام عالِماً بعِلمه كان عليه تهديد الآخر لا الأوّل الذي ثبت بإقراره وبحكمه عليه السلام بقتل الثاني أنّه ليس بقاتل . هذا كلّه مع أنّ الحمل على حكم المعصوم عليه السلام بعِلمه الخارج عن العادة ، لاسيّما في مثل القتل والحبس أبداً مخالف للأصول والقواعد ، ولم يوجد مثله في شيء من قضايا المعصومين عليهم السلام .
ولما في سند الثاني من جعفر بن محمّد ، وهو مشترك بين جعفر بن محمّد بن عبيد اللّه ، وجعفر بن محمّد الأشعري ، وهما مجهولان . نعم قيل في نقل أحمد بن محمّد بن عيسى الأشعري ، عن جعفر بن محمّد بن عبيد اللّه ، نوع ارتضاء وإشعار بالحُسن ، ولما في متنها من ظهورها في الإطلاق الشامل لما وجد ميّتاً مطلقاً ولو بلدغ الحيّة أو مقتولًا كذلك مطلقاً أيضاً ولو مع ادّعائه على الغير ، أو عُدِم ولم يعلم حاله ، ولا قائل بذلك العموم ظاهراً ، ولما فيها أيضاً من المخالفة للقواعد والأصول المسلّمة من انحصار الضمان بالدية ، فضلًا عن القود في نسبة الموت والجناية إلى الضامن والقاتل تسبيباً أو مباشرة ، ومن المعلوم أنّ الرواية تكون بسدد إثبات الضمان مع فرض عدم النسبة عرفاً ، أي إثبات الضمان تعبّداً ، كما لا يخفى ، وإثبات مثل ذلك الأمر التعبّدي بالروايتين الضعيفتين سنداً ودلالةً مشكل ، بل ممنوع ؛ حيث إنّ حجّية خبر الثقة إنّما تكون ببناء العقلاء ، وبناؤهم على حجّيّته مع تمامية شرائط الحجّية فيه لأمثال تلك الأمور التعبّدية غير معلومة ، بل معلومة العدم ، فالمتّبع في المسألة القواعد من أصالة البراءة واللوث وغيرهما . ثمّ لا يخفى عليك أنّ الظاهر من الروايتين على تقدير القول بهما وحجّيّتهما إنّما يكون الضمان على تقدير الدعوى بحسب ظاهر الشرع ، لا في نفس الأمر ، نحو ما ذكره الكليني في الكافي حملًا لرواية إرخاء الستر « وإنّما معنى ذلك أنّ الوالي إنّما يحكم بالحُكم الظاهر إذا أغلق الباب وأرخى الستر وجب المهر وإنّما هذا عليها إذا علمت أنّه لم يمسّها فليس لها فيما بينها وبين اللَّه إلّانصف المهر » . ( الكافي 6 : 109 / 7 )
فعلى هذا فلو عِلم شخص برائته من جريرته وما فعل به شيئاً لكن فقد ، لا يكون ضامناً ، وكذا لم يكن يجب عليه أن يصل إلى أهله .
وأن ليس للورثة - على تقدير عدمه وعدم التهمة مثل أن يكون صديقاً صالحاً أو قريباً مثل الأخ - أخذ الدية والقصاص وغير ذلك . مع احتمال أخذ الدية مع عدم العلم ، فإنّ ظاهر الشرع يحكم للورثة بها ، وأمّا القصاص فالظاهر العدم .