هامش
وحكم العقل أصل الجبران بالمال ، وجعل التالف كأن لميكن من حيث المالية ومن حيث اعتبار السوقية من الأمور المُمكنة في تلف النفس ، من دون دخالةٍ لنوعٍ من المال وخصوصية لها فيه ، كما لا يخفى ، واعتبار الأعيان الستّة وموضوعيّتها وإن كان ممكناً بحسب الثبوت ، إلّاأنّه لكونه تعبّداً محضاً على خلاف العرف والقواعد والأبنية العقلائية ، إثباته محتاج إلى أدلّة واضحة ظاهرة قويّة جدّاً ، ودون إثباته - من روايات الباب مع ما فيها من الاختلاف في عدد الأنواع من تخصيص الإبل والغنم بالذكر في بعضها ، والغنم في أخرى ، والنقدين أو غيرهما في ثالثة ، بل في بعضها التصريح بنفي الدنانير والدراهم في الدية ، ففي صحيح محمّد بن مسلم وزرارة وغيرهما عن أحدهما عليهما السلام في الدية قال : « هي مائة من الإبل ، وليس فيها دنانير ولا دراهم ولا غير ذلك . . . » ( وسائل الشيعة 29 : 201 / 7 ) وفي مقدار الدرهم من أنّه اثنا عشر ألف درهم أو عشرون ألف درهم أو عشرة آلاف درهم ، والشاة من أنّه ألف أو ألفان ، وفي كون البقر والشاة والحلل لأهلها أو للأرض التي هي فيها أو أنّها للكلّ ، ومع ما ذكره المدقّق المحقّق المتتبّع المقدّس الأردبيلي في شرحه « الإرشاد » ، « مجمع الفائدة والبرهان » بعد بيان ما في الأخبار من الاختلاف ، ونقل ما بيّنه الشيخ رحمه الله في الجمع بين الأخبار من المحامل من قوله رحمه الله : « وبالجملة ، ما نعرف دليل هذه الأحكام كأنّه إجماع أو نصّ ما اطّلعنا عليه ، اللّه يعلم وهو المستعان » ( مجمع الفائدة والبرهان 14 : 312 ) - خرط القتاد .
هذا مع ما في صحيح ابن سنان عن الصادق عليه السلام : « وقيمة كلّ بعير من الورق مائة وعشرون درهماً ، أو عشرة دنانير ، ومن الغنم قيمة كلّ ناب من الإبل عشرون شاة » ( وسائل الشيعة 29 : 194 / 3 ) وصحيح ابن الحجّاج من قول أمير المؤمنين عليه السلام : « وقيمة الدنانير عشرة آلاف درهم . . . » ( الاستبصار 4 : 259 / 3 ) من الإشعار أو الدلالة على عدم الموضوعية .
ثمّ إنّ الظاهر تساوي الأعيان الستّة في المالية ، وذلك مضافاً إلى بُعد تشريع الاختلاف في المالية في دية الإنسان مع عدم الاختلاف في الإنسان المضمون له ، أنّ الاختلاف كاللغو بعد ما يكون الاختيار بيد الجاني ، ومختاره الغالب ، بل الدائم هو الأقّل قيمة ومالية .
هذا ، مضافاً إلى ما في خبر أبي بصير قال : « دية الرجل مائة من الإبل ، فإن لميكن فمن البقر بقيمة ذلك ، فإن لميكن فألف كبش . . . » . ( وسائل الشيعة 29 : 197 / 12 ) وما في صحيح ابن عيينة عن الباقر عليه السلام في حديث بكون مدار الدية في كلّ أرض على ما يوجد فيها غالباً ، قال : قلت له : إنّ الديات إنّما كانت تؤخذ قبل اليوم من الإبل والبقر والغنم ، قال : فقال : « إنّما كان ذلك في البوادي قبل الإسلام ، فلمّا ظهر الإسلام وكثرت الورق في الناس قسّمها أمير المؤمنين عليه السلام على الورق » قال الحكم : قلت : أرأيت من كان اليوم من أهل البوادي ، ما الذي يؤخذ منهم في الدية اليوم ؟ إبل ؟ أو ورق ؟ فقال : « الإبل اليوم مثل الورق . . . » . ( وسائل الشيعة 29 : 202 / 8 )
بل وما في خبري معاوية بن وهب والشحّام ( وسائل الشيعة 29 : 200 / 2 و 5 ) وغيرهما من أنّه إن لميكن إبل فمكان جمل عشرون من فحولة الغنم ، من الدلالة على التساوي ، كما لا يخفى .
ومضافاً إلى ما عليه صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج ( وسائل الشيعة 29 : 193 / 1 ) وغيرها من أنّ الدية كانت في الجاهلية مائة من الإبل ، فأقرّها رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ، حيث إنّ الاختلاف في المالية مناف للتقرير ، كما لا يخفى .
وعلى هذا فأداء مالية كلّ من الستّة كافية ؛ لعدم الفرق بينها في المالية ، لكنّه لمّا يكون في مالية الستّة من الاختلاف الفاحش في زماننا ومكاننا ، ولا يعلم بعدُ أنّ أيّاً من الماليات كانت في زمن الصدور لها كلّاً ، بل لعلّه ليس شيء من ماليّتها الفعلية بموجود في الزمان السابق وفي زمان الصدور ومكانه ، ولمّا ثبت أنّ مالياتها كانت متساوية ، فلابدّ في زماننا من الأخذ بالأقلّ قيمة منها ؛ قضاءً للبراءة عن الزائد .
ثمّ لا يخفى عدم دخالة الضرب في قيمة الدرهم ولا الدينار ، وذلك مضافاً إلى عدم الدخالة في زمان الصدور ، بل كان الضرب علامة لعدم القلب في فضّة الدرهم وذهب الدينار ، وهذا بخلاف الضرب في زماننا وماشابهه ، فإنّه إنّما يكون لاعتبار الضرب ومالية المضروب ، بل كلّ المالية المضروبة في النقود الرائجة يكون للضرب ، وليس لنفس المضروب تلك المالية ، يدلّ عليه ما في موثّق أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام - في حديث - قال : « دية المسلم عشرة آلاف من الفضّة أو ألف مثقال من الذهب أو ألف من الشاة على أسنانها . . . » . ( الكافي 7 : 281 / 2 ) وقد ظهر وتلخّص ممّا ذكرناه أنّ على الجاني قيمة الدراهم أو الدنانير من حيث المثقال من الفضّة والذهب بالنقد الرائج ، لاعينهما ولا عين غيرهما ، ولا قيمة المسكوك منهما ، وليس على وليّ الدم إلّاقبول القيمة أيضاً ، فإنّ المتعارف في جبران الخسارة النقد الرائج ، فلاخيار للجاني في الستّة ، وعلى وليّ الدم قبول مختار الجاني من القيمة على النحو الذي مرّ بيانه من كفاية الأقلّ قيمة ، كما أنّ على وليّ الدم قبوله أيضاً . وبذلك يظهر حقّ ما في المسائل ، وما هو المطابق للقواعد فيها ، فتدبّر جيّداً