الثاني : أن يحصل له علم بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات .
الثالث : تأكيد هذا المعلوم بتتابع الوحي والإلهام من الله تعالى .
الرابع : مؤاخذته على ترك الأولى بحيث يعلم أنه لا يترك مهملًا ، بل يضيق عليه الأمر في غير الواجب من الأمور الحسنة ، فإذا اجتمعت هذه الأمور كان الإنسان معصوماً . انتهى كلامه .
أقول : الأمران الأخيران يحتاجان إلى دليل يدلّ عليهما ، وأخذ الملكة في الأمر الأول قد عرفت منافاته لمذهب الإمامية . فكأن الأوجه في تفسير اللطف ما ذكره الفاضل المتقدم أولًا .
فالمعصوم لمكان هذه الألطاف الإلهية تنفر نفسه عن مخالفة الله تعالى كما تنفر نفوسنا عن أكل ما تنفر الطباع منه كالجيف ونحوها ؛ ولذا يقول يوسف الصديق ( ع ) :
( رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي )
« 1 » . فتأمل .
الثاني : هل يعتبر في العصمة عدم إرادة العصيان وترك الطاعة أم لا ؟ صريح ما سبق من العلّامة ( رحمه الله ) هو الأول ، ووافقه المحقق اللاهجي « 2 » فقال :
اعلم أن العصمة غريزة « 3 » يمتنع بها صدور داعية الذنب ، وبامتناعها يمتنع الذنب مع القدرة عليه ، والفرق بينها وبين العدالة أن العدالة ملكة مانعة عن صدور المعصية في الأغلب لاعن صدور إرادتها ، فصدور المعصية مع العدالة غير ممتنعة ، لكنّه مع العصمة غير ممكنة وإن كانت القدرة عليها حاصلة ، فإن الامتناع بسبب عدم الدّاعي لا ينافي المقدورية . انتهى .
أقول : إن كان قصد المعصية غير محرّم فامتناعه بالعصمة محتاج إلى دليل فتأمل « 4 » ، وإن كان محرّماً فلا بد من امتناعه بملكة العدالة أيضاً . وأمّا حرمة القصد المذكور وعدمها فهي مع طول ذيلها وتعارض أدلّتها غير مربوطة بهذا العلم ، فلتطلب من محلّها .
ومهما يكن من أمر ، فما ذكره هذان العلمان - ولعلّه مختار الجميع - هو الموافق لقوله تعالى :
( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ )
« 5 » فإنّه يدلّ على أنّ إرادة الزنا - وهو ألذّ المشتهيات النفسانية - لم تتحقّق من يوسف ( ع ) كما عن الرضا ( ع ) لقد همّت به ولولا أن رآى برهان ربّه لهمّ بها كما همّ لكنّه معصوم ، والمعصوم لا يهمّ بذنب ولا يأتيه ، ولقد حدثني أبي عن أبيه الصادق ( ع ) أنه قال : همّت بأن تفعل ، وهمّ بأن لا يفعل .
هامش
( 1 ) - يوسف 12 / 33 .
( 2 ) - سرمايه ايمان / 56 .
( 3 ) - فسّر هذه الغريزة في ( گوهر مراد ) بقوّة العقل بحيث توجب مقهورية سائر القوى .
( 4 ) - وجهه أن إرادة المعصية كاشفة عن خبث النفس وشدّة كدورتها فلا تناسب النفس المعصومة .
( 5 ) - يوسف 12 / 42 .