والتمسك بقوله تعالى :
( أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ )
« 1 » أمر عجيب وإليك تمام الآية :
( وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ )
« 2 »
.
نعم ورد اللعن على الكاذبين في القرآن .
وهذا صريح في أن الملعون هو الكافر لا مطلق من صدر عنه الذنب ولو نادراً « 3 » . وهكذا الآية الأولى بقرينة الخلود .
9 - إن الأنبياء كانوا يأمرون الناس بطاعة الله فهم لو لم يطيعوا لدخلوا تحت قوله تعالى :
( أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ )
« 4 » . واللازم باطل إجماعاً ؛ ولأنه من أعظم المنفرات إذ كلّ واعظ لم يعمل بما يعظ الناس به لا يرغب الناس في الاستماع منه وفي حضور مجلسه .
أقول : مدلوله عصمة النبي بعد نبوته عن المعاصي عمداً . .
واعلم أن أكثر الوجوه المستدلّ بها على عصمة الأنبياء ( عليهم السلام ) مبنية على إهمال الواسطة بين المعصوم والفاسق المتجاهر بالفسق والفاجر ، وإلّا فمع الالتفات إليها - وهي العدالة المقررة في علم الفقه - تسقط الوجوه المذكورة ولا تصلح للاستدلال بها كما لا يخفى على أولى النهى .
10 - إن الله تعالى حكى عن إبليس قوله :
( فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ )
« 5 » فلو عصى نبي لكان ممن أغوه الشيطان ولم يكن من المخلصين ، مع أن الأنبياء ( عليهم السلام ) من المخلصين إجماعاً ولقوله تعالى :
( وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ * إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ )
« 6 »
.
وإذا ثبت وجوب العصمة في البعض ثبت في الكلّ لعدم القائل بالفرق .
أقول هذا كسابقة في المفاد .
ويمكن أن يستشكل بعدم منافاة الإخلاص مع صدور ذنب في بعض الأحيان متداركاً بالتوبة والإنابة ؛ ولذا لا يصدق على الشخص العادل عنوان « الغاوي » ، وإن صدر عنه الذنب في
هامش
( 1 ) - هود 11 / 18 - 19 .
( 2 ) - هود 11 / 18 - 19 .
( 3 ) - وقريب من هذه الآية ، الآية 43 من سورة الأعراف ، ولا لعن على الظالم في غيرهما .
( 4 ) - البقرة 2 / 44 .
( 5 ) - ص 38 / 82 - 83 .
( 6 ) - ص 38 / 45 - 47 .