ولا شك في أنهم أعلى درجة من الجهّال والعوام . وهذا غير خفي .
7 - لو صدر عنهم الذنب لزم ردّ شهادتهم ؛ لقوله تعالى :
( إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا )
« 1 » ؛ وللإجماع على عدم قبول شهادة الفاسق ، فيلزم أن يكون أدون حالًا من آحاد الأمة ، مع أن شهادته تقبل في الدين القويم ، وهو شاهد على الكل يوم القيامة ، قال الله تعالى :
( لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ )
« 2 » .
أقول : يدلّ هذا الوجه على عصمتهم فيما بعد النبوة عن المعاصي عمداً .
ولأحد أن يعترضه بأنّه لم تمّ لدلّ على اشتراط العصمة في الشاهد وقبول شهادته ، وهو مقطوع الفساد ، والسرّ في ذلك أنه ألغيت الواسطة - في هذا الوجه - بين المعصوم والفاسق ، وهو العادل ، ومن يقول بعدم العصمة لا ينكر عدالتهم ، المسوغة لقبول شهادتهم ، ومن الواضح أن ملكة العدالة لا تنافي الذنب أحياناً ، على نحو فصل في علم الفقه .
وأمّا الاستدلال بالآية فهو غريب لاستلزامه عصمة جميع الأمة ، فإنهم شهداء على الناس يوم القيامة . وتحقيق المقال ؛ أنّ العدالة تعتبر في الشاهد حين الأداء دون التحمّل بلا خلاف أجده ، بل عليه الإجماع بقسميه كما في الجواهر ، فالآية المباركة تثبت عدالة الشهداء يوم القيامة ، وهي بمراجل عن المقام .
8 - لو لم يكن معصوماً للزم استحقاقه للعذاب واللعن واللوم لعموم قوله تعالى :
( وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ )
« 3 »
.
ولعموم قوله :
( أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ )
« 4 » والتالي باطل ضرورة وإجماعاً ، فكذا المقدّم .
أقول : مفاده عصمة النبي بعد نبوّته عن الكبائر عمداً ؛ إذ قبلها لا إجماع ولا ضرورة ؛ إذ لا قائل به سوى الإمامية ، ولعلّ المستدلّ أيضاً ادّعى إجماعهم عليه ، والصغائر مكفرة باجتناب الكبائر كما نص عليه القرآن ، إلا أن يدّعى أنه لم يثبت في غير الشريعة الإسلامية .
أقول : بطلان التالي إنما هو لأجل العصمة فهو متفرّع على الدعوى لا أنّه مثبت لها ، فالأولى أن يدّعى الإجماع على المقدم ابتداءً ، فيرجع إلى الوجه الثامن عشر الآتي إن شاء الله .
وأعلم أنّ التالي يتضمّن استحقاق العذاب واللعن ، والأول يرتفع بالتوبة ، والثاني غير ثابت ،
هامش
( 1 ) - الحجرات 49 / 6 .
( 2 ) - الحج 22 / 78 .
( 3 ) - النساء 3 / 14 .
( 4 ) - هود 11 / 18 .