قال في المواقف وشرحها « 1 » : وإذا ثبت حصول الإمامة بالاختيار والبيعة - لم يتقدّم منه دليل على ثبوته ، بل المتقدّم منه مجرّد دعوى حصولها بهما - فاعلم أنّ ذلك الحصول لا يفتقر إلى الإجماع من جميع أهل الحلّ والعقد ؛ إذ لم يقم عليه دليل من العقل أو السمع ، بل الواحد والاثنان من أهل الحلّ والعقد كافٍ في ثبوت الإمامة ، ووجوب اتّباع الإمام على أهل الإسلام ؛ وذلك لعلمنا أنّ الصحابة مع صلابتهم في الدين وشدّة محافظتهم على أمور الشرع كما هو حقّها - اكتفوا في عقد الإمامة بذلك ، كعقد عمر لأبي بكر ، وعقد عبد الرحمن بن عوف لعثمان ، ولم يشترطوا اجتماع من في المدينة فضلًا عن إجماع الأمّة ، انتهى « 2 » .
وعن بعض المعتزلة أو أكثرهم اعتبار خمسة أشخاص تمسّكاً بفعل عمر !
قال المحسني مؤلّف الكتاب : ويبطل هذا الطريق قول أبي بكر : إنّ بيعتي كانت فلتة وقى الله شرّها ، وخشيت الفتنة « 3 » .
وقول عمر بعده : إنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة ولكن الله وقى شرها . . . - وهو معروف لاحظ صحيح البخاري وغيره - فإذا قبح المخترع نفسه ما اخترعه فكيف بغيره ؟ !
ثمّ مع الغضّ عنه نقول : المدار في حجّيّة الاختيار والبيعة في إثبات الإمامة هو عمل الأصحاب ، بل هذا هو العمدة في إثبات وجوب نصب الإمام وهو الدليل لخلافة الخلفاء الثلاثة ، فأساس مذهب العامة في الإمامة والخلافة هو عمل الأصحاب لا غير ، فلا بد من لفت النظر إليه ، وإلى ما أوجب هذه القداسة والعصمة لأصحاب رسول الله ( ص ) .
قال ابن حجر « 4 » : إنّ الذي أجمع عليه أهل السنّة والجماعة أنّه يجب على كلّ مسلم تزكية جميع الصحابة ، بإثبات العدالة لهم ، والكفّ عن الطعن فيهم ؛ والثناء عليهم .
وقالوا : الدليل على ذلك وجوه :
1 - قوله تعالى :
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ
« 5 » .
أقول : ولازمه تعديل جميع الأمة ، وهو محسوس البطلان ! فالمراد من الآية أنّ مجموع هذه الأمّة بمن فيها من أبرارهم وأئمتهم من حيث المجموع خير من مجموع سائر الأمم ، لا أنّ كلّ فرد من هذه الأمّة خير من كلّ فرد من الأمم السابقة فإنّه ضروري الفساد . وعليه فالآية لا تدلّ
هامش
( 1 ) - المواقف وشرحها 3 / 267 .
( 2 ) - وهذا هو تغليب الواقع على الحقّ وفقاً لقانون الغابات .
( 3 ) - شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 132 ، عن كتاب السقيفة لأبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري .
( 4 ) - الصواعق المحرقة / 206 .
( 5 ) - آل عمران 3 / 110 .