فواتها ولا يعارضها مجرّد احتمال المضرّة بتقدير قبحه ، ويترك إذا لم يحتج للاحتياط في دفع الضرر المحتمل .
وقد نقل عن البراهمة وجه آخر ، قالوا : إنّ ما جاء به النبي إن وافق العقل فلا حاجة اليه وان خالفه فليزم ردّه وإنكاره ، فلا قائدة في البعثة مطلقاً .
أقول : وكلا الوجهين يزيف بأن العقل لا يحيط بكثير من المحاسن والقبائح الواقعيين وترجيح بعضها على بعض عند التزاحم ، فيتوقّف بيانهما على وجود رسول مخبر من قبل علّام الغيوب ، هذا مع أن الالتزام بما يدركه العقل من دون الوعد والوعيد غير ميسور لمعظم الناس كما هو محسوس خارجاً .
ومنهم : بعض المعتزلة ، حيث فصل بين عمله تعالى بإيمان أمّة فحكم بوجوب البعثة وإرسال النبي إليهم لما فيه من استصلاحهم ، وبين علمه تعالى بعدم إيمانهم فحكم بحسنها فقط لإعذارهم وعدم وجوبها .
أقول : الظاهر أنّه ما من قوم إلّا ويؤمن بعضهم بالنبي إذا بعث فتكون البعثة واجبة دائماً فإنّ احتمال إنكار جميعهم لقول المبعوث المذكور بعيد جداً .
ثم إنّ تعليل وجوب البعث بالاستصلاح غير بيّن ولا مبين ، بل لا بدّ من استناده إلى ما ذكرنا في مبحث حسن التكليف ووجوبه . نعم في المقام صعوبة أخرى أشرنا إليها في بحث تبعية أفعاله تعالى للأغراض .
تنوير وتحكيم
روى ثقة الإسلام الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن العباس بن عمر الفقيمي عن هشام بن الحكم عن أبي عبد الله الصادق ( ع ) أنه قال للزنديق الذي سأله من أين أثبت الأنبياء والرسل ؟ قال : أنّا لما أثبتنا أن لنا خالقاً صانعاً متعالياً عنّا وعن جميع ما خلق ، وكان ذلك الصانع حكيماً متعالياً لم يجز أن يشاهده خلقه ولا يلامسوه فيباشرهم ويباشروه ويحاجهم ويحاجوه ، ثبت أن له سفراء في خلقه يعبّرون عنه إلى خلقه وعباده ويدلّونهم على مصالحهم منافعهم وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم ، فثبت الآمرون والناهون عن الحكيم الحليم في خلقه والمعبرون عنه جلّ وعز وهم الأنبياء ( عليهم السلام ) وصفوته من خلقه . حكماء مؤدبين بالحكمة « 1 » مبعوثين بها غير مشاركين للناس - على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب - في شيء من أحوالهم ، مؤيدين « 2 »
هامش
( 1 ) - في نسخة بدل : في الحكمة .
( 2 ) - في نسخة بدل : مؤيدون .