اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ )
« 1 » ، وقوله :
( أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً )
« 2 » يثبت وجوب البعثة أيضاً ؛ إذ لا يمكن إيصال التكاليف المجعولة من قبل الله تعالى إلّا بواسطة الرسول ، وهذا واضح فلا نطيل المقام . وبالجملة أن الثقافة الاسلامية حتى في عصرنا أحسن وأكمل من الثقافات المادية الناقصة في العالم ، فابلاغها للناس حسن ، وواجب بالآيات المتقدّمة .
نقل ونقد :
ابتلي أقوام في هذه المسألة بأوهام خرافية :
فمنهم : الأشاعرة حيث أنكروا وجوب التكليف بحجّة أنّه لا حاكم على الله تعالى .
وقد زيفناه من قبل في المقصد الخامس من الجزء الثاني ، فلاحظ .
ومنهم : من حسب امتناع التكليف بحجّة فقدان شرطه وهو اختيار المكلّف في أفعاله وتروكه ؛ ضرورة قبح تكليف المجبور الملجأ . وقد ثبت في محلّه أن العباد مجبورون لا مختارون ، وأجيب عنه بأنّ الأمر وإن كان كذلك إلا أنّ للفاعلين كسباً يصح باعتباره تعلق التكليف بأفعالهم .
قلت : قد نبّهناك فيما مضى على بطلان هذا الكسب وأنه غير معقول أصلًا ، فالانصاف أنّ هذا الإشكال على مذاق اتباع جهم بن صفوان ومقلّدي أبي الحسن غير قابل للإنحلال أبدا ، وأمّا على طريقة أهل الحقّ من الأمر بين الأمرين فجوابه واضمحلاله أوضح من أن يخفى .
ومنهم : بعض الصوفية من أهل الإباحة ، حيث تخيّل أن التكليف بالافعاله الشاقّة البدنية يشغل الباطن عن التفكّر في معرفة الله وما يجب له وما يمتنع عليه ، ولا شك أنّ المصلحة المتوقعة من هذا الفائت تزيدعلى ما يتوقّع ممّا كلّف به فكان ممتنعا . لكن قد خفي على هذا البسيط انّ المعرفة الصحيحة الكاملة لا تحصل الا ببيان الرسول ، وأنّ الفرعيات التعبّدية العبادية تؤثّر في استقرار العقليات ورسوخها . فالأمر على عكس ما توهّمه هذا القائل .
ومنهم : البراهمة والصائبة والتناسخية « 3 » ، فقد حكي عنهم القول بكفاية العقل في معرفة التكليف من دون حاجة إلى بعثة رسول ، قالوا : إنّ ما حكم العقل بحسنه يفعل ، وما حكم بقبحه يترك ، وما توقف فيه يفعل إذا احتيج اليه ؛ إذ الحاجة ناجزة حاضرة يجب اعتبارها دفعا لمضرّة
هامش
( 1 ) - النحل 16 / 9 .
( 2 ) - المؤمنون 23 / 115 .
( 3 ) - وفي شرح المواقف 3 / 165 : أنّ من البراهمة من قال بنبوّة آدم فقط . ومنم من قال بنبوّة إبراهيم فقط . ومن الصائبة من قال بنبوّة شيث وإدريس فقط .