نعم قد تقدّم في بحث صدقه تعالى « 1 » بعض الروايات الصحيحة من طريق العامة الدالة على تقية النبي ( ص ) .
أمّا الثاني فقد اتّفقت الأمة - بل جميع أرباب الملل والشرائع - على وجوب عصمتهم من الكذب والتحريف فيما يتعلّق بالتبليغ عمداً وسهواً ، إلّا القاضي من الجمهور فإنّه جوّز ما كان ذلك على سبيل النسيان وفلتات اللسان ، ويظهر من الرازي أنّ القائل به جماعة ، ثم استدلّ على بطلانه بقوله : والا لارتفع الوثوق بالأداء . لكن غير منتج على بنائه من إنكار الحسن والقبح العقليين .
أما الثالث وهو ما يتعلق بالفتيا فأجمعوا على أنّه لا يجوز خطؤهم فيه عمداً ( هكذا ) وسهواً خلافاً لجماعة من العامّة حيث جوزوا خطأهم ( عليهم السلام ) سهواً .
أقول : ذكر هذا القسم في كلمات بعض أصحابنا لم يقع في محلّه ؛ لأنّا نجلل النبي الأعظم - وكذا غيره من الأنبياء العظام صلى الله عليهم - من الفتوى واستنباط الحكم من الأدلة كالمجتهدين ، فإنّه لا ينطق إلا عن وحي أو إلهام واضح .
أمّا الرابع وهو العمدة فقد اختلفوا فيه على أقوال خمسة :
القول الأول : ما عليه الامامية ، وهو أنّه لا يصدر منهم ذنب لا صغير ولا كبير لا عمداً ولا نسياناً ولا خطأ في التأويل ولا للاسهاء من الله سبحانه ، بل السهو والنسيان منفيان عنهم ( عليهم السلام ) ولو في الأمور المباحة ، فإنّ أكثرهم - كما يقول المجلسي ( رحمه الله ) - ادّعوا : الإجماع على نفيهما . ولم يخالف في هذا - على المشهور - إلا الصدوق وشيخه محمد بن الحسن بن الوليد - رحمهما الله - فإنّهما جوّزا الإسهاء من الله لا السهو الذي يكون من الشيطان ، ولا فرق في ذلك كلّه عندهم بين الأنبياء والأئمة ( عليهم السلام ) .
القول الثاني : أنّه لا يجوز عليهم الكبائر ويجوز عليهم الصغائر ولو عمداً كما ذكر الرازي ، إلا الصغائر الخسيسة المنفرة كسرقة حبة أو لقمة ، وكل ما ينسب فاعله إلى الدناءة والضعة . وهذا قول أكثر المعتزلة .
القول الثالث : انه لا يجوز أن يأتوا بصغيرة ولا كبيرة على جهة العمد لكن يجوز على جهة التأويل أو السهو . وهو مذهب أبي علي الجبائي .
أقول : بل هو مذهب أكثر الأشاعرة كما في المواقف وشرحها ، قال : قال القاضي والمحققون من الأشاعرة : إنّ العصمة فيما وراء التبليغ غير واجبة عقلًا ؛ إذ لا دلالة للمعجزة عليه ، فامتناع
هامش
( 1 ) - في الجزء الأول .