إلّا ذلك ؟ كيف ولولا وجوب المعرفة شرعا لما وجب النظر فطرة ، فإنّه نشأ من احتمال ترتّب العقاب على تركها ، فلو كانت غير واجبة لم يطلبها النبي من الناس ، فلم يتحقّق موضوع لزوم وجوب النظر وهو دفع الضرر ، فإنّ ترك المعرفة إذن لا يستتبع عقابا وعذابا ، فلم تحكم الفطرة بشيء .
ولعلك تقول : إنّك قلت سابقا بامتناع وجوب المعرفة شرعا ، فكيف تختاره هنا ؟
لكننا نقول : الممتنع هو الوجوب الذي له داعوية نحو متعلقه وباعثية إلى المطلوب بلا توسّط حكم الفطرة بوجوب دفع الضرر ، كما يزعمه الأشاعرة ، وأمّا الوجوب الذي يتوسّطه الحكم المذكور فلا بأسبه . بيان ذلك : أن اللّه تعالى أوجب المعرفة على المكلّفين ثبوتا ، فأمر نبيه بإبلاغه إلى الناس ، والنبي يحذّر الناس بتركها ويهددهم عليه ، والابلاغ المذكور وإن لم يكن بحجّة على الناس أصلا كما دريت ، إلّا أنه يولد احتمال الضرر في ذهنهم لإمكان صدقه ، فيحكم الفطرة بدفع الضرر المذكور ، ولا مدفع له إلّا النظر فيكون واجبا .
ويتلخص هذا البحث إلى أن المعرفة إن لم تكن واجبة لا يبقى موضوع للحكم الفطري المذكور ، فالوجوب الشرعي ليس بلغو ، وإن هذا الحكم الفطري إن لم يتوسط ولم ينجّز وجوب النظر لم يثبت الوجوب الشرعي كا دريت ، فلا بد من اجتماعهما حتى يتمّ المقصود .
ثم إنّ الناظر إن أصاب فهو وإلّا فهو معذور لكن الحكم الشرعي بحاله لبطلان التصويب كما يأتي في محله ان شاء اللّه . هذا ما عندنا في هذا المقام ، واللّه ولي الاعتصام .
تطبيق
قال الباقر عليه السّلام - على ما في رواية زرارة - :
« ليس على الناس أن يعلموا حتى يكون اللّه هو المعلّم لهم ، فإذا أعلمهم ( علمهم ) فعليهم أن يعلموا » « 1 » .
أقول : انطباقه على مسلكنا واضح ، فإن وجوب النظر وان كان فطريا لكن تحقق موضوعه موقوف على إعلام اللّه سبحانه ؛ ضرورة أن العقل لا يحتمل الضرر بترك المعرفة ابتداء .
وفي رواية عبد الأعلى قال : « قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام : أصلحك اللّه هل جعل في الناس أداة ينالون بها المعرفة ؟ قال : فقال : لا . قلت : فهل كلّفوا المعرفة ؟ قال : لا ، على اللّه البيان
لا يكلف الله نفسا إلا وسعها
« 2 » . . . » « 3 » .
أقول : أما صدر الرواية ففي معناه أخبار أخر ، وسيأتي بحثها - وهو بحث معضل - في
هامش
( 1 ) بحار الأنوار 5 / 222 .
( 2 ) البقرة 2 / 286 .
( 3 ) أصول الكافي 1 / 163 .