انتهاء النعمة إلى مبدأ موجود ليتحقّق موضوع شكر المنعم ، ليجب عقلا ، فهو إنّما في معرفته من حيث كيفية وجوده وصفاته لا في التصديق بوجوده . انتهى كلامه .
أقول : ويمكن أن يناقش في الوجه الأول بأن شكر المنعم بالأنعام الجزيلة الكثيرة واجب ، وتركه قبيح عند العقلاء كما هو واضح . لكن الوجه الثاني متين ، وبالجملة : وجوب الشكر إنما يتمّ إذا كان المنعم قابلا للشكر ، أي كان شاعرا حسّاسا وإلّا فلا معنى له ، فلا بد أولا من تشخيص أنّ المنعم من هو ، فيكون مفاد الدليل هو لزوم النظر دون المعرفة ، فتفطّم .
واستدل الأشاعرة « 1 » على وجوب المعرفة بإجماع الأمة ، وحيث إنها لا تتيسر من دون النظر والاستدلال فهو أيضا واجب شرعا ، فإنّ الخطاب الشرعي وإن كان متعلقا بالمسبب إلّا أنه لا بدّ من توجيهه إلى السبب .
وربما استدل بعضهم على وجوب النظر والمعرفة ببعض الآيات كقوله تعالى :
قل انظروا ما ذا في السماوات والأرض
« 2 » ، وقوله :
فاعلم أنه لا إله إلا الله
« 3 » . وأورد عليه بعضهم بأنّها تفيد الظن ولا اعتداد به ، فالعمدة هو الإجماع .
أقول : لو سلم حجّية الإجماع فهي أيضا ظنّية ، فإنّها استنبطت من ظواهر الآيات والروايات ، وأمّا ما تفوّه به بعضهم « 4 » من دعوى الضرورة الدينية على اعتباره فهو إفراط واختلاق .
ويرد على الاستدلال أيضا أن المسبّب وإن كان غير مقدور بلا إيجاد سببه إلّا أنه لا وجه لصرف التكليف المتعلّق به إلى سببه ؛ ضرورة أن المقدور بالواسطة مقدور والسبب يجب من باب المقدمة عقلا ، ثم إن في هذا البيان تناقضا واضحا ، حيث يدعون أولا وجوب المعرفة ثم يقولون بصرف الأمر إلى النظر ؛ لأنه المقدور فتكون المعرفة غير واجبة .
وعلى الجملة : الوجوب الشرعي - سواء تعلق بالنظر أو المعرفة - غير معقول فإنه متأخّر عن التصديق بنبوة النبي صلّى اللّه عليه واله المتأخرة عن التصديق بصفاته تعالى المتأخّرة عن معرفة أصل وجوده ، فما لم تثبت آمرية المتكلّم لا حجّية لأمره ، فكيف يعقل الوجوب الشرعي في حق الجاهل باللّه تعالى .
وملخّص الكلام : أنّه لا اعتبار بقول المجهول ولا موضوع لوجوب معرفة المعلوم لأنّها من
هامش
( 1 ) المواقف وشرحها 1 / 157 وهكذا في غيرهما .
( 2 ) يونس 10 / 101 .
( 3 ) محمّد 47 / 19 .
( 4 ) وهو الإيجي في شرح المواقف 1 / 159 .