تحصيل الحاصل الممتنع « 1 » ، ومنه ينقدح أنّ ما توهّمه جمع من الأشعريين « 2 » من عدم بطلان تكليف الجاهل بدعوى أن شرط التكليف فهمه لا التصديق به ، فإن الغافل من لا يفهم الخطاب ، أو لم يقل له : إنك مكلّف ، لا من لا يعلم أنّه مكلّف . فهو غفلة عن الواضحات كما عرفت .
ثم إنّه يلزمهم إفحام الأنبياء عليهم السّلام إذ لا وجوب قبل المعرفة كما عرفت ، ولا معرفة إلّا بعد النظر ، فلو قال المكلّف : لا انظر حتى أعرف ، لما كان للنبي عليه سلطان ، فبهذه الطريقة الأشعرية يمكن فرار الناس من الديانة الإسلامية .
وبالجملة : مفاسد هذا القول كثيرة .
وأمّا الاستشهاد بقوله تعالى :
وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا
« 3 » على الوجوب الشرعي ، بدعوى أن نفي العذاب قبل البعثة يكشف عن نفي الوجوب ، فهو ضعيف ، فإن الكاشف عنه نفى استحقاق العذاب دون نفي فعليته ووقوعه كما في الآية الكريمة ، نعم من أنكر العفو والشفاعة وجعل العذاب من لوازم المعصية كان الاستدلال عليه متّجها من باب الجدل . هذا مع أنه - على تقدير صحّته - لا ينفي الوجوب الفطري المتقدم ؛ لانّ الشاك لا يرى حجّية لهذه الشهادة ، فافهم .
والصحيح أنّ ظاهر الآية هو الإخبار بوقوع التعذيب سابقا بعد البعث ، فيختصّ بالعذاب الدنيوي الواقع على الأمم السالفة دون العقاب الأخروي كما يدل عليه ما بعد الآية : قال اللّه تعالى :
وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها . . .
فدمرناها تدميرا وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح
. . . الآيات « 4 » فالآية الكريمة أجنبية عن محلّ الكلام بالكلية .
تعقيب وتكميل
قضية الأدلة المتقدمة هي وجوب المعرفة لأجل دفع الضرر أو وقوع الشكر على ما يناسب حال المشكور المنعم ، فهو وجوب غيري ليس بنفسي ، وأمّا الوجوب الشرعي فقد دريت تعلّقه بالنظر دون المعرفة كما صرح به قائله ، نعم هنا وجهان آخران يدلّان على أن المعرفة واجبة وجوبا نفسيا :
الأول : ما أفاده الأصولي الشهير المحقق الهروي في كفاية الأصول قال : « نعم يجب
هامش
( 1 ) وأما ما ذكره في القوانين 2 / 170 من لزوم الدور من قولهم ففيه نظر فلاحظ .
( 2 ) لاحظ شرح المواقف 1 / 158 ، وكلام ابن روزبهان في إحقاق الحق 1 / 161 ، وغيرهما .
( 3 ) الاسراء 17 / 15 .
( 4 ) الاسراء 17 / 15 ، 16 ، 17 .