الفائدة الرابعة في وجوب النظر « 1 »
الكلام تارة في أصل وجوب النظر ، وأخرى في أن الوجوب المذكور - على تقدير ثبوته - عقلي أو شرعي . لكن البحث في الأول يغني عن الثاني فنقول :
والصحيح أنّه لا دليل على وجوب النظر في وجود واجب الوجود بما هو واجب أو خالق أو غير ذلك من الحيثيات ؛ إذ لا حكم للعقل بذلك ، ولا سبيل للشرع وتعبده إليه بلا شك .
وإنما يجب ذلك من جهة وجوب دفع الضرر ، فإن العقل حينما يقرع سمعه قول أناس - قليلين أو كثيرين - بعقاب أخروي وعذاب دائمي لمن انكر المبدأ أو لم يعرفه ولم يعتقد به - وهذا النداء كان مسموعا منذ صبيحة حياة البشر ، وسيبقى قارعا إلى غروب وجوده - يحتمل صدقه وكذبه قهرا ، ولا سبيل له إلى تصديق أحد الطرفين قبل النظر .
فإذن يتولد احتمال الضرر المذكور في ذهنه ويحصل له الخوف من احتمال صدق هذا القول ، ولا طريق لدفعه غير النظر ، فيجب لوجوب دفع الضرر فطرة ولو كان محتملا ؛ وذلك لأنّ الانسان - بل وكذا الحيوان وكل حساس - مجبول على حبّ ذاته ، وينشأ من هذا الحب لزوم جلب المنافع ودفع المضار ، وهذا الالزام ليس من قبل العقل ، بل هو أمر فطري كما تدلك عليه مشاهدة حال المجانين والصبيان والحيوانات ، فإنّها تدفع الضرر عن نفسها وتميل إلى منافعها وما هو يلائم أنفسها .
وإذا أعمل نظره وتفحّص عن الواقع فقد أمن من الضرر المذكور قطعا وتستريح نفسه من الخوف جزما ، فإنّه إن أدّى إلى الحقّ فقد فاز فوزا عظيما ، وإن انجرّ إلى خلافه فهو مأمون
هامش
( 1 ) قال الشيخ المفيد قدّس سرّه في أوائل المقالات : اتّفقت الإمامة على أنّ العقل يحتاج في علمه ونتائجه إلى السمع ، وأنّه غير منفكّ عن سمع ينبّه الغافل عن كيفية الاستدلال ، وأنّه لا بدّ في أول التكليف وابتدائه في العالم من رسول .
ووافقهم في ذلك أصحاب الحديث ، وأجمعت المعتزلة والخوارج والزيدية على خلاف ذلك ، وزعموا أنّ العقول تعمل بمجرّدها من السمع والتوقيف إلّا أنّ البغداديين من المعتزلة خاصّة يوجبون الرسالة في أوّل التكليف .
أقول : هذا الذي نقل اتّفاق الإمامية عليه هو عين ما اخترناه في هذه الفائدة ، وإنّما ذكرناه لئلا يظن تفرّدنا بالموضوع .