قبل صفة الرحيم كانت صفة الرحيم مختصّة بالمؤمنين بشهادة السياق وإن لم تكن تلك الروايات ثابتة ، ومنه ظهر عدم متانة الاستدلال بالآية الأولى والثانية والثالثة التي هي العمدة .
أو نقول كما قال الصادق عليه السّلام كما في تفسير الصافي في ذيل الآية الأولى : تقدر ان تغفر له وترحمه . ولا شك إن اللّه قادر على أن يرحم الكفّار بالرحمة الرحيمية .
ثم إن شمول الرحمة الرحيمية لغير المؤمنين في هذه الآيات وغيرها إنّما هو بالإطلاق أو بالعموم ؛ إذ لم أجد آية دلّت على أن اللّه رحيم بالكافرين ، ولا شك أن هذه الروايات صالحة للتقييد والتخصيص ، كما هي من الضروريات الفقهية والمسلّمات الأصولية في هذه الأعصار .
وأما ما أفاده من التوجيه فهو إنما يتمّ إذا كانت الرحمة بإطلاقها منفيّة عن الكافرين وثابتة للمؤمنين ، والحال أنه ليس كذلك بل المنفي هو الحصّة الخاصّة منها ، فيلزم أن تكون الرحمة الرحمانية غير مندكّة أمام العذاب الدائم ، وهو كما ترى فافهم .
إذا عرفت هذا فاعلم أن الرحمة من صفات أفعاله تعالى ، فإنه بمعنى الفضل والجود والكرم ونحوها فما في مشتقات كفاية الأصول للمحقق الهروي وأنوار التوحيد لسبط النراقي - رحمهما اللّه - من عدها من الصفات الذاتية ممّا لا وجه له أبدا ، كما أن ما يظهر من المحقّق الطوسي في تجريده من أن وجوب الوجود يدلّ على ثبوت جوده أيضا غير تام ؛ بناء على ما هو المختار عنده وعندنا من اختيار الواجب ، فيمكن أن يكون الواجب غير رحيم وجواد .
نعم الذي يتخيل ضرورة صدور فعله عنه له أن يدّعى ذلك كما هو ظاهر .
ثم إنّ الرحمة والجود لا تنافي تعلّل أفعاله بالأغراض العائدة إلى غيره بل تؤكّده خلافا للفلاسفة ، وسيأتي بحثه إن شاء اللّه الرحمن .
ثم إن الظاهر من العلّامة الحلي « 1 » والقوشجي « 2 » في شرحهما على التجريد . إرجاع الرحمة والكرم والرضاء إلى الإرادة وهو غير صحيح ، فان الرحمة غير الإرادة قال اللّه تعالى :
يعذب من يشاء ويرحم من يشاء
. فتأمّل رحمنا اللّه وإياكم فإنه رحمان رحيم .
هامش
( 1 ) شرح التجريد للعلّامة الحلّي / 185 .
( 2 ) شرح التجريد للقوشجي / 372 .