أقول : قوله تعالى :
يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب
« 1 » يدلّ على اللوحين المذكورين ، فإنّ اللوح المحفوظ قد كتب فيه كلّ شيء فلا يغيب عنه ذكر شيء كما مر ، فهذا المحو والإثبات لا بدّ ان يكونا في لوح آخر ، ففي صحيحة حفص ابن البختري وهشام بن سالم وغيرهما عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال في هذه الآية
يمحوا الله ما يشاء ويثبت
قال : « فقال :
وهل يمحي إلّا ما كان ثابتا ، وهل يثبت إلّا ما لم يكن ؟ » « 2 » ، فهذه الصحيحة دالة على تغيار اللوحين ، فإن المحو بعد الإثبات والإثبات بعد المحو لا يكونان في اللوح المحفوظ لما عرفت من ضبط كلّ شيء فيه بوجهه الكامل من الأول ، فلا موضوع للتغير والتبدّل ، فتحصّل أن الإثبات والمحو في لوح ، وأم الكتاب لوح آخر ، وهو اللوح المحفوظ . ومثل هذه الصحيحة رواية الأرمني عن العسكري عليه السّلام « 3 » ، ومرسلة العياشي عن جميل عن الصادق عليه السّلام « 4 » .
وممّا يدل على وجود اللوحين مرسلة عمار بن موسى كما رواه العياشي عن الصادق عليه السّلام ، سأل عن قول اللّه :
يمحوا الله ما يشاء . . .
الخ قال : « إن ذلك الكتاب كتاب يمحو اللّه ما يشاء ويثبت ، فمن ذلك الذي يرد الدّعاء القضاء ، وذلك الدعاء مكتوب عليه : الذي يرد به القضاء ، حتى إذا صار إلى أم الكتاب لم يغن الدعاء فيه شيئا » « 5 » ، فهذا ما أحرزنا دلالته على وجود اللوحين فما ذكره المجلسي قدّس سرّه من دلالة الآيات والاخبار عليه : منظور فيه . فانا لم نجد من الكتاب والسنة غير ما ذكرنا .
تنبيه
اللوح عند الفلاسفة هو العقل المفارق كما تقدّم في كلام المحقّق الطوسي قدّس سرّه . وعرّفه في الأسفار وغيره بالنفس الكلّية الفلكية . قال بعض أفاضلهم « 6 » : ان كنّا بحثنا عن اللوح من جهة العقل ، فالبرهان يثبت في الوجود أمرا نسبته إلى الحوادث الكونية نسبة الكتاب إلى ما فيه من المكتوب ، ومن البديهي أن لوحا جسمانيا لا يسع كتابة ما يستقبل نفسه واجزائه من الحالات والقصص في أزمنة غير متناهية وإن كبر ما كبر ، فضلا عن شرح حال كلّ شيء في الأبد الغير المتناهي ؛ وإن كنّا بحثنا من جهة النقل فالأخبار نفسها تؤول اللوح والقلم إلى إلى ملكين من
هامش
( 1 ) الرعد 13 / 39 .
( 2 ) أصول الكافي 1 / 146 .
( 3 ) البحار 4 / 115 .
( 4 ) المصدر نفسه / 118 .
( 5 ) البحار 4 / 121 .
( 6 ) البحار 4 / 131 ، الحاشية .