وإن شئت فقل : إنّ الأثر إذا كان مترتّباً على الشكّ فقط أو على الشكّ وعلى الواقع معاً فقدحصل بمجرّد الشكّ وإذا كان مترتّباً على الواقع فيمكن حصوله بالاستصحاب . وحيث إنّ حكم العقل والشرع بقبح التشريع إنّما هو عند الشكّ في صدور الحكم من المولى أو أعمّ منه ومن صورة العلم بعدمصدوره منه فإذا شككنا في صدور الحكم منه فقدحصل القبح والحرمة بلا انتظار شيء آخر ، فحينئذٍ لا مجال للاستصحاب لعدم ترتّب الأثر له بوجهٍ لأنّ القبح والحرمة قدحصلا بنفس الشكّ والمفروض عدم أثر آخر وراءه حتّى يستصحب لأجله .
وفيه : أنّ للتشريع فردين : أحدهما : الإسناد عن غيرعلم . ثانيهما :
الإسناد مع العلم بالعدم . ويستفاد حرمة كليهما من كتاب الله جلّجلاله .
م
فالأوّل : قوله تعالى :
وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ .
« 1 » وقوله :
إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً .
« 2 » وقوله تعالى :
إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ .
« 3 » والثاني : قوله :
لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ .
« 4 » وقوله :
وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ .
« 5 »
ولا يبعد بل المظنون أو المعلوم أنّ حرمة الثاني أشدّ من حرمة الأوّل بل كان الأمر أيضاً عند العقلاء كذلك لأنّ كلّ قبيح صدر من شخص إذا كان مع العلم بقبحه أشدّ وأعظم من أنيكون مع الشكّ به . « 6 »
هامش
( 1 ) . صدر الآية 36 ، من السورة 17 : الإسراء .
( 2 ) . قسم من الآية 36 ، من السورة 10 : يونس .
( 3 ) . ذيل الآية 68 ، من السورة 10 : يونس .
( 4 ) . ذيل الآية 146 ، من السورة 2 : البقرة .
( 5 ) . ذيل الآية 75 و 78 ، من السورة 3 : آل عمران .
( 6 ) . أقول : إنّ كون الحرمة في مورد العلم بالعدم في الشريعة أقوى منها في مورد -