من غير طريق الشرع والشريعة ؟
الجواب منفي بالطبع ، أي أنّه لا إمكان مطلقاً في الوصول إلى أحكام الفطرة لعامّة البشر بدون الاتّصال بالوحي ومرحلة النبوّة .
وعلّة ذلك كما ذكرنا أنّ أحكام الفطرة وضعت على أساس الاحتياجات الحقيقيّة للإنسان ، وليس هناك غير علّام الغيوب من مطّلع على البواطن والسرائر والغرائز ، وخبير بالسبل الموصلة إلى الهدف الغائيّ لخلق الإنسان ، وعليم بالبناء البدنيّ والمادّيّ والنظام الروحيّ والنفسيّ له ، ليمكنه جعل حكم يحفظ مصلحة الآدميّ المطلقة من جميع الجهات ؛ فمهما ارتفعت درجات الأفراد من دون الله العلميّة ، وارتقت مراتب الحكمة فيهم ، إلّا أنّهم لن يحيطوا مع ذلك بجميع جوانب الإنسان :
وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا .
« 1 »
وفي المثال الذي أوردناه عن علم الطبّ والمريض ، فإنّ علي والمريض مهما كانت درجته العلميّة مراجعة الطبيب والعمل بوصفة الدواء ، واتّباع تعاليمه بلا مناقشة ، وذلك باعتبار جهل المريض لفنّ الطبّ ، ولأنّ الطبيب حسب فرضنا حاذق ماهر ، لذا فإنّ مفاد حكم الفطرة وحكم العقل وحكم الشرع يقول :
فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ .
« 2 »
وينبغي على المريض أن يلتزم بالتعبّد المحض مقابل أقوال الطبيب ، وإلّا فإنّ تخطّيها وتجاوزها سيعدّ تمرّداً واتّباعاً للرأي الشخصيّ ومستلزماً للهلاك ، وهو أحد مصاديق الانتحار ، ومعلوم أنّ الانتحار حرام عقلًا وشرعاً ،
هامش
( 1 ) ذيل الآية 85 ، من السورة 17 : الإسراء .
( 2 ) ذيل الآية 7 ، من السورة 21 : الأنبياء .