فهذه الأحكام التي تمّ اعتبارها بإرادة الله ونظره فاقت في إحكامها ومتانتها كلّ أمر آخر ، وكانت أكثر توفيقاً ونجاحاً في إيصال الإنسان إلى الهدف الأصليّ للخلقة ، لأنّها تنطبق مع حكم العقل وحكم الشهود والوجدان . ومعنى الاعتبار أنّ المعْتَبر وهو الله سبحانه قد قرّرها وعيّنها بلحاظ الهيكل البُنيويّ والقوى المادّيّة والطبيعيّة ، وبرعاية الأمور النفسيّة والروحيّة للإنسان ، بعيداً عن ذرّة من الحقّد والحسد وإعمال الغرض ولحاظ النفع الشخصيّ والفائدة الذاتيّة ، فقد حُسبت جميع المصالح والمفاسد ، وأسباب النجاة والفوز وعوامل الهلاك والشقاء ، بأدقّ الحسابات وأعمقها وأكملها ، ثمّ جُعل الحكم تبعاً لهذه النظرة ؛ أشبه بطبيب حاذق يعاين مرض المريض ويطالعه ويناقش جوانبه وسوابقه ولواحقه ، ويجري المقارنات ، ويراعي الظروف الزمانيّة والمكانيّة والأمور الوراثيّة ، ثمّ يعتبر بعد تشخيص المرض دواءً له . فهذا الاعتبار يقابل الحقيقة ، أي يقابل الخارج والخارجيّة ، أي حكم ونظر .
فنظر الطبيب هو نظر الشخص المعتبر ، وهو الذي يعتبر الأدوية الفلانيّة في وصفة الدواء التي يعطيها للمريض .
ثمّ إنّ المريض الذي يمثّل مرضه أمراً حقيقيّاً ، يعمل بالنظريّة الاعتباريّة للطبيب ، فيستعمل الدواء ويشفى في النتيجة ، والشفاء بدوره أمر حقيقيّ .
ومن ثمّ فإنّ اعتبار نظريّة الطبيب ، أي تقييم هذا الدواء وفق نظره ، هو أمر صحيح وكامل جدّاً ليس فوقه شيء ، إذ يستحيل أن يصف الطبيب في هذه الحال دواءً خلافاً لنظريّته بخصوص هذا المريض ، كأن يصف مثلًا دواءً يعاكسه ، وإلّا لدفع بالمريض إلى حافّة الهلاك ، ولمّا سمِّي آنذاك بالطبيب ، بل وجب تسميته بالقاتل والمفسد والجاني .
نظرة على مقالة بسط وقبض نظرية الشريعة للدكتور عبد الكريم سروش — صفحة 278
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص٢٧٨