لا يرى العبد لنفسه وجوداً ولا حولًا ولا قوّة إلّا بالحقّ تعالى وحوله وقوّته ، فيرى أن لا حول ولا قوّة له ولا لغيره إلّا بالله .
وورد في الحديث النبويّ :
مَنْ تَوَاضَعَ لِلّهِ رَفَعَهُ اللهُ ؛
فإذا فنى وخرج عن نفسه بالموت الإراديّ قبل الموت الطبيعيّ يكون باقياً بالله .
ثمّ قال الملّا صدرا : وهو المراد بقوله :
تَكُنْ أعْقَلَ النَّاس ،
فإنّ أعقل الناس هم الأنبياء والأوّلياء ثمّ الأمثل فالأمثل . « 1 »
وقال في شرح وبيان فقرة :
فَمَنْ عَقَلَ عَنِ اللهِ اعْتَزَلَ أهْلَ الدُّنْيَا وَالرَّاغِبينَ فيهَا :
بلغ عقله إلى حدّ يأخذ العلم عن الله من غير تعليم بشر في كلّ أمر .
ومعنى الاعتزال عن الدنيا وأبناء الدنيا : إذ لم يبقَ له رغبة في الدنيا وأهلها ، وإنّما يرغب فيما عند الله من الخيرات الحقيقيّة والأنوار الإلهيّة والإشراقات العقليّة والابتهاجات الذوقيّة والسكينات الروحيّة .
وفي شرح وبيان فقرة :
مَا عُبِدَ اللهُ بِشَيءٍ أفْضَلَ مِنَ العَقْلِ ،
قال : أي أفضل ما يتقرّب به العبد إلى الله هو تكميل العقل باكتساب العلوم الحقيقيّة الاخرويّة والمعارف اليقينيّة الباقية المأخوذة من الله سبحانه دون غيره من الطاعات والعبادات البدنيّة والماليّة والنفسيّة ، كما ورد عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم :
يَا عَلِيّ ! إذا تَقَرَّبَ النَّاسُ إِلَى خَالِقِهِمْ بِأنْوَاعِ البِرِّ ، فَتَقَرَّبْ أنْتَ إِلَيْهِ بِالعَقْلِ حتى تَسْبِقَهُمْ . « 2 »
هامش
( 1 ) « الوافي » ج 1 ، ص 97 .
( 2 ) « الوافي » ج 1 ، ص 101 و 102 ؛ وأورد الغزّاليّ في « إحياء العلوم » ج 3 ، ص 14 : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إذَا تَقَرَّبَ النَّاسُ إلَى اللهِ تَعَالَى بِأَنْوَاعِ البِرِّ ، فَتَقَرَّبْ أَنْتَ بِعَقْلِكَ . وروي في « إحياء العلوم » ج 3 ، ص 353 ، عن أبيالدرداء : إنَّهُ قِيلَ : يَا رَسُولَ اللهِ ! أرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ وَيَحِجُّ وَيَعْتَمِرُ وَيَتَصَدَّقُ وَيَغْزُو في سَبِيلِ اللهِ وَيَعُودُ المَرِيضَ وَيُشَيِّعُ الجَنَائِزَ وَيُعِينُ الضَّعِيفَ وَلَا يُعْلَمُ مَنْزِلَتُهُ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : إنَّمَا يُجْزَى عَلَى قَدْرِ عَقْلِهِ .
وَقَالَ أنَسٌ : اثْنِي عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ [ وَآلِهِ ] وَسَلَّمَ فَقَالُوا خَيْراً . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ [ وآلِهِ ] وَسَلَّمَ : كَيْفَ عَقْلُهُ ؟ ! قَالُوا : يَا رَسُولَ اللهِ نَقُولُ مِنْ عِبَادَتِهِ وَفَضْلِهِ وَخُلْقِهِ ؟ فَقَالَ : كَيْفَ عَقْلُهُ ؛ فَإنَّ الاحْمَقَ يُصِيبُ بِحُمْقِهِ أعْظَمَ مِنْ فُجُورِ الفَاجِرِ ، وَإنَّمَا يُقَرَّبُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ .