يَا هِشَامُ ! إنَّ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حُجَّتَيْنِ : حُجَّةً ظَاهِرَةً وَحُجَّةً بَاطِنَةً .
فَأمَّا الظَّاهِرَةُ فَالرُّسُلُ وَالأنْبِيَاءُ وَالأئِمَّةُ ؛ وَأمَّا البَاطِنَةُ فَالعُقُولُ .
يَا هِشَامُ ! الصَّبْرُ عَلَى الوَاحْدَةِ عَلَامَةُ قُوَّةِ العَقْلِ ، فَمَنْ عَقَلَ عَنِ اللهِ اعْتَزَلَ أهْلَ الدُّنْيَا وَالرَّاغِبينَ فيهَا وَرَغِبَ فيمَا عِنْدَ اللهِ ، وَكَانَ اللهُ انْسَهُ في الوَحْشَةِ ، وَصَاحِبَهُ في الوَحْدَةِ ، وَغِنَاهُ في العِيلَةِ ، وَمُعِزَّهُ مِنْ غَيْرِ عَشِيرَةٍ .
يَا هِشَامُ ! كَانَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ : مَا عُبِدَ اللهُ بِشَيءٍ أفْضَلَ مِنَ العَقْلِ ، وَمَا تَمَّ عَقْلُ امْرِئٍ حتى يَكُونَ فيهِ خِصَالٌ شَتَّى : الكُفْرُ والشَّرُّ مِنْهُ مَأمُونَانِ ، وَالرُّشْدُ وَالخَيْرُ مِنْهُ مَأمُولَانِ ، وَفَضْلُ مَالِهِ مَبْذُولٌ ، وَفَضْلُ قَوْلِهِ مَكْفُوفٌ ، نَصِيبُهُ مِنَ الدُّنْيَا القُوتُ ، لَا يَشْبَعُ مِنَ العِلْمِ دَهْرَهُ ، الذُّلُّ أحَبُّ إِلَيْهِ مَعَ اللهِ مِنَ العِزِّ مَعَ غَيْرهِ ، والتَّوَاضُعُ أحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الشَّرَفِ .
يَسْتَكْثِرُ قَلِيلَ المعْرُوفِ مِنْ غَيْرهِ ، وَيَسْتَقِلُّ كَثِيرَ المُعْرُوفِ مِنْ نَفْسِهِ ، وَيَرَى النَّاسَ كُلَّهُمْ خَيْراً مِنْهُ ؛ وَأنَّهُ شَرَّهُمْ في نَفْسِهِ وَهُوَ تَمَامُ الأمْرِ .
يَا هِشَامُ ! لَا دِينَ لِمَنْ لَا مُرُوَّةَ لَهُ ، وَلَا مُرُوَّةَ لِمَنْ لَا عَقْلَ لَهُ . « 1 »
شرح فقرات من الحديث المروى عن الكاظم عليه السلام بشأن العقل
يقول المحقّق الفيض الكاشاني في شرح وبيان فقرة تَوَاضَعْ لِلْحَقِّ تَكُنْ أعْقَلَ النَّاسِ :
أي تواضع مع الناس للحق سبحانه لا لغرض آخر ، فإنّ مَن تواضع لله رفعه الله ، كما ورد في الحديث .
أو نقول : التواضع للحق هو الإقرار به والطاعة له والانقياد ، كما هو مقتضى العقل .
وقال أُستاذنا ( صدر المتألهين الشيرازيّ قدّس الله سرّه ) : هو أن
هامش
( 1 ) « أُصول الكافي » ج 1 ، ص 13 إلي 19 ؛ و « الوافي » للكاشانيّ ، ج 1 ، ص 86 إلي 93 ، الطبعة الحروفيّة .