الملائكة استنادها إلى أسبابها الطبيعيّة القريبة ، وقد صدّق القرآن الكريم استناد الحوادث إلى الحوادث الطبيعيّة كما صدّق استنادها إلى الملائكة .
وليس لشيء من الأسباب استقلال قباله تعالى حتى ينقطع عنه ، فيمنع ذلك استناد ما استند إليه إلى الله سبحانه ما يقول به الوثنيّة من تفويضه تعالى تدبير الأمر إلى الملائكة المقرّبين ، فالتوحيد القرآنيّ بنفي الاستقلال عن كلّ شيء من كلّ جهة :
لَا يَمْلِكُونَ لأنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَلَا مَوْتًا وَلَا حَياةً وَلَا نُشُورًا . « 1 »
فمثل الأشياء في استنادها إلى أسبابها المترتّبة القريبة والبعيدة وانتهائها إلى الله سبحانه بوجهٍ بعيد كالكتابة التي يكتبها الإنسان بيده وبالقلم . فللكتابة استناد إلى القلم ، ثمّ إلى اليد التي توسّلت إلى الكتابة بالقلم ، وإلى الإنسان الذي توسّل إليها باليد وبالقلم ، والسبب بحقيقة معناه هو الإنسان المستقلّ بالسببيّة من غير أن ينافي سببيّته استناد الكتابة بوجه إلى اليد وإلى القلم .
ولا منافاة أيضاً بين ما تقدّم أنّ شأن الملائكة هو التوسّط في التدبير وبين ما يظهر من كلامه تعالى أنّ بعضهم أو جميعهم مداومون على عبادته تعالى وتسبيحه والسجود له ، كقوله :
وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ ، يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ .
« 2 »
هامش
( 1 ) هذه الجملة ليست عين الآية القرآنيّة ، بل اقتباس من الآية 3 ، من السورة 25 : الفرقان ، القائلة :وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً .( 2 ) الآيتان 19 و 20 ، من السورة 21 : الأنبياء .