لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ .
« 1 »
وهذان النعتان ، أعني كونه عليّاً حكيماً ، هما الموجبان لكونه وراء العقول البشريّة ، فإنّ العقل في فكرته لا ينال إلّا ما كان من قبيل المفاهيم والألفاظ أوّلًا ، وكان مؤلّفاً من مقدّمات تصديقيّة يترتّب بعضها على بعض كما في الآيات والجمل القرآنيّة . وأمّا إذا كان الأمر وراء المفاهيم والألفاظ وكان غير مُتجزٍّ إلى أجزاء وفصول ، فلا طريق للعقل إلى نيله .
فمحصّل معني الآيتَين . أنّ الكتاب عندنا في اللوح المحفوظ ذو مقام رفيع وإحكام لا تناله العقول لذينك الوصفَين ، وإنّما أنزلناه بجعله مقروّاً عربيّاً رجاء أن يعقله الناس .
فإن قُلتَ . ظاهر قوله
لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
إمكان تعقّل الناس هذا القرآن العربيّ النازل تعقّلًا تامّاً ، فهذا الذي نقرأه ونعقله إمّا أن يكون مطابقاً لما في امّ الكتاب كلّ المطابقة أو لا يكون ، والثاني باطل قطعاً ، كيف وهو تعالى يقول
: وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ
، « 2 » و .
بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ، فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ
، « 3 » و .
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ، فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ
« 4 »
فتعيّن الأوّل ، ومع مطابقته لُامّ الكتاب كلّ المطابقة ، ما معني كون القرآن العربيّ الذي عندنا معقولًا لنا ، وما في امّ الكتاب عند الله غير معقول لنا ؟
قلتُ . يمكن أن تكون النسبة بين ما عندنا وما في امّ الكتاب نسبة
هامش
( 1 ) - مقطع من الآية 1 ، من السورة 11 . هود .
( 2 ) - صدر الآية 4 ، من السورة 43 . الزخرف .
( 3 ) - الآيتان 21 و 22 ، من السورة 85 . البروج .
( 4 ) - الآيتان 77 و 78 ، من السورة 56 . الواقعة .