نفسه وإدراكه البديع وذكائه العجيب في فهم دقائق الآيات القرآنية ؛ فقد قال في شأن الآية المباركة .
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ .
« 1 »
« وهذا ، أعني قوله .
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ
من أبدع البيانات القرآنيّة ، حيث قيّد الحقّ ب - « مِن » الدالّة على الابتداء دون غيره بأن يقال الْحَقُّ مَعَ رَبِّكَ ، لما فيه من شائبة الشرك ونسبة العجز إليه تعالى بحسب الحقيقة .
وذلك أنّ هذه الأقاويل الحقّة والقضايا النفس الأمريّة الثابتة كائنة ما كانت ، وإن كانت ضروريّة غير ممكنة التغيّر عمّا هي عليه ، كقولنا . الأربعة زوج ، والواحد نصف الاثنين ، ونحو ذلك ؛ إلّا أنّ الإنسان إنّما يقتنصها من الخارج الواقع في الوجود ، والوجود كلّه منه تعالى ، فالحقّ كلّه منه تعالى كما أنّ الخير كلّه منه . ولذلك كان تعالى
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ ،
« 2 » فإنّ فعل غيره إنّما يصاحب الحقّ إذا كان حقّاً ، وأمّا فعله تعالى فهو الوجود الذي ليس الحقّ إلّا صورته العلميّة » - انتهى . « 3 »
دعوة القرآن للتفكّر في الأشياء الخارجيّة وفي صنع الله تعالى
أمّا وقد علمنا أنّ منطق القرآن الكريم هو حقّيّة الوجود الخارجيّ وواقعيّته ، وأنّه بوحدته وبساطته وأبديّته وعدم تناهيه هو عين الحقّ ، وأنّ جميع الآيات - الآفاقيّة أو الأنفسيّة - هي مظاهر للحقّ ، وأنّ كلّا من تلك الآيات تظهر تلك الحقيقة في حدود سعتها ؛ فقد حان الوقت كي نعلم أي الآيات القرآنيّة تتحدّث عن هذه الآيات الآفاقيّة والأنفسيّة ؟
وتعني الآيات الآفاقيّة الموجودات الخارجيّة والأشياء الموجودة خارج ذات الإنسان ؛ أمّا الآيات الأنفسيّة فتعني مظاهر النفس وظهوراتها ،
هامش
( 1 ) - الآية 60 ، من السورة 3 . آل عمران .
( 2 ) - الآية 23 ، من السورة 21 . الأنبياء .
( 3 ) - « الميزان في تفسير القرآن » ج 3 ، ص 232 و 233 .