ولو أخذنا أمر العبوديّة بالتحليل العقليّ لرأينا أنّ حقيقة معنى العبوديّة مع حذف خصوصيّاتها الزائدة الطارئة موجودة في مخلوقات الله سبحانه ؛ فالله سبحانه خلق الخلائق من جهة تكوين جميع جهاتها المحيطة ، فهي في يد تصرّفه ومشيئته من كلّ الوجوه ولا تملك لنفسها ولا لغيرها شيئاً من ضرر أو نفع ، ولا موت ولا حياة ولا نشور .
وهذا هو مفاد العبوديّة ، إذ لمّا ثبتت من جهة التكوين ، فإنّها من جهة التشريع ستترتّب عليها أيضاً ، لأنّ العبوديّة التشريعيّة هنا تابعة للعبوديّة التكوينيّة لا يعقل انفكاكها عنها .
وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ .
« 1 »
وكما أنّ في تلك الجهة ربوبيّة مطلقة ، فهنا في هذه الجهة عبوديّة مطلقة ، ولدينا في القرآن الكريم آيات لها الدلالة التامّة على إطلاق هذه العبوديّة ، أمثال قوله تعالى .
ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ
. « 2 »
وقوله تعالى .
وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ .
« 3 »
وقوله .
يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
. « 4 »
وكيفما كان فإنّ معنى عبوديّة الموجودات بالنسبة إليه تعالى هو
هامش
( 1 ) - الآية 23 ، من السورة 17 . الإسراء .
( 2 ) - مقطع من الآية 4 ، من السورة 32 . السجدة .
( 3 ) - صدر الآية 70 ، من السورة 28 . القصص .
( 4 ) - الآية 1 ، من السورة 64 . التغابن .