صف لي المتّقين حتى كأنّي أنظر إليهم . فتثاقل عليهالسلام عن جوابه ، ثمّ قال .
يَا هَمَّامُ ! اتّقِّ اللهَ وَأحْسِنْ فَإنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ !
فلم يقنع همّام بهذا القول حتى عزم عليه . فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبيّ صلّى الله عليه وآله ، ثمّ شرع بالخطبة ، فذكر ابتداءً خلق الإنسان وغنى الباري عن طاعة الخلق وأمنه من معصيتهم ، ثمّ بدأ بشرح وتفصيل صفات المتّقين وأحوالهم ، حتى يصل إلى قوله .
أمَّا اللَّيْلُ فَصَافُّونَ أقْدَامَهُمْ تَالِينَ لأجْزَاءِ القُرْآنِ يُرَتِّلُونَهُ تَرْتِيلًا . يُحَزِّنُونَ بِهِ أنْفُسَهُمْ وَيَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ .
فَإذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَشْوِيقٌ ، رَكَنُوا إلَيْهَا طَمَعاً وَتَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إلَيْهَا شَوْقاً ؛ وَظَنُّوا أنَّهَا نَصْبَ أعْيُنُهُمْ . وَإذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَخْوِيفٌ أصْغَوْا إلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ وَظَنُّوا أنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وَشَهِيقَهَا في اصُولِ آذَانِهِمْ .
فَهُمْ حَانُونَ على أوْسَاطِهِمْ ، مُفْتَرِشُونَ لِجِبَاهِهِمْ وَأكُفِّهِمْ وَرُكَبِهِمْ وَأطْرَافِ أقْدَامِهِمْ يَطْلُبُونَ إلى اللهِ تَعَالَى في فَكَاكِ رِقَابِهِمْ .
أمَّا النَّهَارُ فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ ، أبْرَارُ أتْقِيَاءُ . قَدْ بَرَاهُمُ الخَوْفُ بَرْيَ القِدَاحِ يَنْظُرُ إلَيْهِمُ النَّاظِرُ فَيَحْسَبُهُمْ مَرْضَي ، وَمَا بِالقَوْمِ مِنْ مَرَضٍ ؛ وَيَقُولُ . قَدْ خُولِطُوا وَلَقَدْ خَالَطَهُمْ أمْرٌ عَظِيمٌ .
ويستمرّ أمير المؤمنين عليهالسلام في هذه الخطبة المفصّلة حتى يصعق همّام صعقة كانت نفسه فيها . « 1 »
هامش
( 1 ) - « نهج البلاغة » الخطبة 191 ؛ وفي طبعة مصر وتعليق الشيخ محمّد عبده . ص 395 إلى 400 . وقال ابن أبي الحديد في شرحه على « النهج » ج 10 ، ص 134 ، طبعة دار