صدق الله وكذب الحجاج ، وتلي الآية ( فاغسلوا وجوهكم إلى آخرها ) ( 1 ) ( 2 ) .
( 89 ) وروى غالب بن هذيل ، قال : سألت أبا جعفر عليه السلام عن المسح على
الرجلين ؟ فقال : ( هو الذي نزل به جبرئيل ) ( 3 ) ( 4 ) .
( 90 ) وروى زرارة قال : قلت لأبي جعفر عليه السلام : ألا تخبرني يا بن رسول
الله من أين قلت : إن المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين ؟ فقال : ( قاله
رسول الله صلى الله عليه وآله ، ونزل به الكتاب من الله سبحانه ، فقال : " فاغسلوا وجوهكم "
فعرفنا أن الوجه كله يجب أن يغسل ، ثم قال : " وأيديكم إلى المرافق " ثم فصل
بين الكلامين ، فقال : " وامسحوا برؤوسكم " فعرفنا أن المسح ببعض الرأس ،
لمكان الباء ، ثم وصل الرجلين بالرأس ، كما وصل اليدين بالوجه ، فقال : "
وأرجلكم إلى الكعبين " فعرفنا حين وصلهما بالرأس ، أن المسح ببعضها ، ثم
فسر ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله ، فضيعوه ( فصنعوه خ ل ) ( 5 ) ( 6 ) .
هامش
( 1 ) الدر المنثور 2 : 262 ، سورة المائدة ، في تفسير آية الوضوء ، وتتمة
الحديث ( وكان أنس إذا مسح قدميه بلهما ) .
( 2 ) وفيه دلالة على أن الآية غير دالة على الغسل ، لان أنسا جعلها حجة على كذب
الحجاج في أمره بالغسل ( معه ) .
( 3 ) الوسائل ، كتاب الطهارة ، باب ( 25 ) من أبواب الوضوء ، حديث 4 .
( 4 ) وهذا يدل أيضا على أن مسح الرجلين هو الذي جاء به القرآن ( معه ) .
( 5 ) الوسائل ، كتاب الطهارة ، باب ( 23 ) من أبواب الوضوء ، حديث 1 ، بتفاوت
يسير في الألفاظ .
( 6 ) في مشرق الشمسين ، قد يتوهم أن قول زرارة للإمام عليه السلام : ( ألا تخبرني
من أين علمت وقلت ) يوجب الطعن عليه بسوء الأدب وضعف العقيدة ، وجوابه أن زرارة
كان ممتحنا بمخالطة علماء العامة ، وكانوا يبحثون معه في المسائل الدينية ويطلبون منه
الدليل على ما يعتقد حقيقته ، فأراد أن يسمع منه عليه السلام ما يسكتهم به ، وإلا فخلوص
عقيدته مما لا يحوم حوله شك ولا ريب . وربما قرء بعض مشايخنا ، من أين علمت بتاء
المتكلم ، يعني إني عالم بذلك ، ولكن أريد أن تخبرني بدليله ، لاحتج به عليهم .
أقول : لا يحتاج إلى هذا ، لان زرارة كان متبحرا في العلوم ، يريد الاطلاع على
دلائل المسائل ، ليزداد الاحكام وضوحا ، ولذا ما كان يقتصر من الأجوبة على ما كان يقنع
به غيره ، وكان يأتي الإمام عليه السلام للسؤال وقت خلوته ، حتى لا يحتاج في جوابه
إلى رعاية التقية . وقال عليه السلام : لأصحابه ومن يحتمل ما يحتمل زرارة .
وقوله تعالى : " وأيديكم إلى المرافق " استدل به السيد وابن إدريس قدس الله
روحيهما على جواز النكس . وأجيب بأنه نص جماعة من أصحابنا على أن ( إلى ) هنا
بمعنى ( مع ) ليكون موافقا للوضوء البياني . وبأنه يجوز أن يكون لانتهاء تحديد المغسول
لا الغسل ، كما تقول : خضبت كفي إلى الزند . لان لليد في الاصطلاح ، إطلاقات كثيرة ،
يد القطع ، ويد التيمم ، ويد الوضوء ، وإلى المنكب . فأراد سبحانه تحديد الوضوء .
وقوله عليه السلام : ( ثم فصل بين الكلامين ) المراد أنه سبحانه غاير بين المسح
والغسل ، بدخول الباء وعدمه . وهذا نص في كون الباء للتبعيض ، فلا يحسن قول من جعلها
هنا لمطلق الالصاق ، كما لا يحسن إنكار سيبويه مجيئها للتبعيض في سبعة عشر موضعا من
كتابه ، مع أن الأصمعي صرح بمجيئها له ، وأتى له بشواهد كثيرة . والأصمعي أعرف
بمواقع كلام العرب .
وسيبويه رجل أعجمي سكن بغداد برهة من الزمان وحصل بينه وبين الكسائي
مشاجرة في مسألة الزنبور ، فسافر إلى شيراز ومات بها ، وقبره الآن معروف بها رأيناه
ولم نزره . والعجب من العلامة طاب ثراه كيف تابعه في تهذيب الأصول .
وقوله : ( فضيعوه ) بالضاد والياء ، وهو الأنسب مما هنا ( جه ) .