إذن فالولاية التكوينية الطاغوتية ممكنة التصوير ، وهي الولاية الشرسة التي تنقضّ على فريستها فتُردي بصاحبها في مكانها السحيق ، وقد تقدّمت
كلمة أمير المؤمنين علي عليه السلام بأنَّ الشيطان قد :
( اتخذهم له أشراكاً ، فباض وفرَّخ في صدورهم ، ودبَّ ودرج في حجورهم ، فنظر بأعينهم ، ونطق بألسنتهم . . ) ،
وهل هذه السلطة إلا سلطة تكوينية ، وقد ورد في أخبار الفريقين أنه يجري في الإنسان مجرى الدم « 1 » .
قوله تعالى : أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
إنَّ خلود الشيء يعني مكوثه وانتفاء فساده ، أو ما بعُد زمان فساده ، فهو مُحتفظ بخواصّه وتفاصيله إلى زمان يفوق حدَّه الطبيعي ، والعرب تصف الرجل المُسنّ الذي لم يشب بأنه مُخلَّد « 2 » ، وقد فُسِّر قوله تعالى : يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ ( الواقعة : 17 ) بأنَّهم يبقون ولداناً لا يهرمون ولا يتغيّرون أبداً « 3 »
هامش
( 1 ) عن ابن بكير عن الإمام الصادق أو الإمام الباقر عليهما السلام قال :
( إنَّ آدم عليه السلام قال : يا ربِّ سلَّطتَ عليَّ الشيطان وأجريته منّي مجرى الدم فاجعل لي شيئاً ، فقال : يا آدم . . . ) .
أُصول الكافي : ج 2 ، ص 440 ، ح 1 ، وأيضاً : صحيح البخاري : ج 4 ، ص 93 .
وعن ابن عباس : ( أنه تعالى جعله بحيث يجري من بني آدم مجرى الدم وصدور بني آدم مسكن له كما قال : مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ، الناس : 4 - 6 ، والجنّة الشياطين ، وكما قال النبي صلى الله عليه وآله :
( إنَّ الشيطان ليجثم على قلب بني آدم ، له خرطوم كخرطوم الكلب ، إذا ذكر العبد الله عزَّ وجل خنس ، أي : رجع على عقبيه ، وإذا غفل عن ذكر الله وسوس ، فاشتقّ له اسمان من فعليه : الوسواس من وسوسته عند غفلة العبد ، والخنّاس من خنوسه عند ذكر العبد ) .
شرح أصول الكافي ، للمازندراني : ج 9 ، ص 238 .
( 2 ) انظر : ترتيب إصلاح المنطق : ص 20 .
( 3 ) انظر : مجمع البحرين : ج 1 ، ص 678 . .