وقد التفت الطباطبائي لذلك بقوله : ( وثانياً : إنَّ الفطرة الأصلية الإنسانية وهي التي تتألّم من النار غير باطلة فيهم ولا منتفية عنهم وإلا لم يتألمّوا ولم
يتعذّبوا بها ولم يريدوا الخروج منها ) « 1 » .
وها هنا نكتتان مهمتان هما :
النكتة الأُولى : إنَّ الفقرة لم تُعبِّر عن الكفّار بأنهم يدخلون النار ، وإنما وصفتهم بأنهم أصحاب النار ، فما معنى هذه الصحبة النارية ؟
النكتة الثانية : هل الخلود في المقام هو الخلود النسبي بمعنى المكوث الطويل ، فيكون الوصف بالخلود فيه نسبة تجوّز ، أم أنه الخلود الواقعي وأنَّ النسبة حقيقية ، فالداخل فيها غير خارج البتّة ، كما هو حال الداخل في الجنة ؟
أما النكتة الأُولى فإنَّ الفقرة الكريمة تُريد أن تصل بنا إلى تحديد الطرف المقابل للخلود في الجنة ، حيث تُريد أن تقول بأنَّ هؤلاء الكفار ليسوا ضيوفاً أو نازلين مؤقَّتاً في النار ، وإنما مثلهم مثل صاحب الدار الذي لا يترك داره لأنها داره ، وهكذا الكفَّار فهم أصحاب النار وأهلها .
كما أنَّ هنالك إشارة خفية سوف نُفصّلها في بحوثنا الموضوعية والتأويلية ، مُلخّصها أنَّ الخالدين في النار هم الجهنَّميون ، بمعنى أنهم سوف يكونون بأنفسهم ناراً ، وهذا مصير المُبعدين .
والكفر هو الضلال البعيد ، أي : ليس هنالك منطقة ظلمانية أبعد منه أبداً ، ومن الواضح بأنَّ هؤلاء المُبعدين يقع في قبالهم المقرَّبون ، وقد جاء وصف المقرَّبين قرآنياً بأنهم هم جنّة النعيم ، وهو قوله تعالى : فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ ( الواقعة : 88 - 89 ) .
وبمقتضى المقابلة يكون الكافر هو نفس جهنم ، حقيقته نارية ، ومن كانت
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 5 ، ص 329 . .