حقيقته نارية لازمه الخلود الأبدي في جهنميته .
وأما النكتة الثانية فإنَّ للقرآن مفهومه الخاصّ به ، وهو غير ما يفهمه
العرف ، فالعرف يرى في الشخص الذي يعيش فترة غير قصيرة خالداً ، وقد مرَّت بنا بعض المعاني اللغوية للخلد ، ولكنَّ القرآن يحمل القضية على المعنى الحقيقي لها ، ويرفض الفهم العرفي ، كما هو الحال في قوله تعالى : وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الخَالِدُونَ ( الأنبياء : 34 ) .
فمع أنَّ المدوّنات التأريخية بحسب الفهم العرفي تطرح أمامنا أكثر من نموذج خالد ، كالخضر وإلياس ، غير الأنبياء الذين عاشوا مئات السنين ، ولكنَّ الآية الكريمة تنفي عنهم صفة الخُلد ما دام الموت الحتمي مصيرهم .
فالخلد قُرآنياً الديمومة والبقاء أبداً ، ولذلك نجد القرآن الكريم يتعاطى مع الفهم العرفي الساذج بجدية فينفيه في أكثر من مناسبة ، حيث يُردف كلمة الخلود بالتأبيد ، من قبيل قوله تعالى : . . . وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ( الجن : 23 ) .
إخفاء الوعد وإعلان الوعيد
مرَّت الإشارة إلى أنَّ خاتمة المقطع الأخير من الآية قد صُرِّح فيها بالمصير الحتمي لأصحاب الحالة العارضة ، في قوله : أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ، دون أن يُشير لخاتمة أصحاب الطبيعة الإيمانية ، وقد وعدنا بعرض أسباب وتوجيهات هذا الأمر ، وقد ارتأينا عرضها بصور احتمالية ، وهي كالتالي :
الاحتمال الأوّل : أنَّ المؤمن والكافر معلوما الحال ، بيد أنَّ لهما تقسيمات مختلفة ، كما تقدَّم ، وبعض هؤلاء تقع لديهم أماني بأنَّ الله تعالى سوف يغفر لهم ويرحمهم ، فاحتاج الأمر إلى التصريح بمصيرهم الحتمي .