( 94 ) وفي حديث عنهم عليهم السلام : ( ان المراد بالذاكر من إذا عرض له
معصيته ، ذكر الله وتركها لأجله . وإذا عرض له طاعة ، ذكر الله ففعلها لأجله ) .
( 95 ) وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال : ( سجدة الشكر واجبة ( 1 ) على
كل مسلم ، تتم بها صلاتك ، وترضي بها ربك ، وتعجب الملائكة منك . وان
العبد إذا صلى ثم سجد سجدة الشكر ، فتح الرب الحجاب بين الملائكة
وبين العبد ) ( 2 ) .
( 96 ) وروي عن علي عليه السلام انه كان يقول إذا سجد سجدتي الشكر :
( وعظتني فلم اتعظ وزجرتني عن محارمك ، فلم أنزجر وغمرتني أياديك
فما شكرت . عفوك عفوك يا كريم ) ( 3 ) ( 4 ) .
هامش
( 1 ) المراد بالوجوب هنا شدة الاستحباب ، إذ لم يقل بوجوبها أحد . ( معه )
( 2 ) الوسائل ، كتاب الصلاة باب ( 1 ) من أبواب سجدتي الشكر قطعة من
حديث 5 .
( 3 ) المستدرك كتاب الصلاة باب ( 5 ) من أبواب سجدتي الشكر قطعة من
حديث 27 .
( 4 ) فيه إيماء على جواز صدور الذنب عنه عليه السلام ، وفي صحيفة زين العابدين
عليه السلام مثله أيضا سيما دعاءه في الاستقالة من الذنوب ، وكان موسى بن جعفر عليهما
السلام يقول في سجود الشكر : " رب عصيتك بلساني ولو شئت لأخرستني ، وعصيتك
ببصري ولو شئت وعزتك لأكمهتني إلى آخره . وورد أيضا مثله من الخليل وعن
الكليم وعن داود وعن أكثر الأنبياء وجميع الأئمة صلوات الله عليهم ما يوهم هذا
المعنى
وقد ذكرنا في شرح الصحيفة ، وشرحي التهذيب والاستبصار وجوها كثيرة
وأردنا أن لا يخلو هذا الكتاب من ذكر بعضها فلنذكر منها أوجها
الأول : ان الذي صدر من الأنبياء والأئمة عليهم السلام من البكاء والاعتراف
بالذنوب من باب تعليم الناس وارشادهم إلى كيفية هذه الطاعة ، وان النبي صلى الله
عليه وآله كان يتصاغر في الكلام والأفعال للصبيان والأطفال ، كما روى أن الحسين عليه
السلام في حال طفوليته أخذ تمرة من تمر الصدقة ، ووضع في فيه ، ، فقال له : " كخ كخ
يا حسين " فأخرجها من فمه ورما بها ، وكان يمشي على يديه ورجليه ، والحسن والحسين
راكبان على ظهره وهو يمشي بهما ويقول : نعم الجمل جملكما ، وأمثال هذا كثير .
ذكر هذا الوجه الفاضل الغزالي في بكاء داود ( ع ) واقراره بالذنوب . ومن تأمل
في أحوالهم سيما زين العابدين عليه السلام ظهر له الحال وراء هذا .
الثاني : ما صار إليه بعض أهل الحديث من أنهم عليهم السلام ربما باشروا بعض
المكروهات ، كالصلاة في الثياب السود ونحو ذلك . وهذا أيضا كالأول لان مباشرتهم
للمكروهات ، اما للدلالة على عدم تحريمها ، أو اضطرارا إليها فيخرج عن حكم
الكراهة إلى حكم آخر .
الثالث : انه يجوز أن يوسوس إليهم الشيطان في بعض الأمور ، فيرجعون إلى
حالهم ويستغفرون عما عرض لهم ، كما وقع لجماعة من الأنبياء ، مثل صفي الله آدم
والنبي داود ويونس وغيرهم . وهذا ليس من قبيل تسلط الشيطان لأنه سبب للقرب
والوصال بما حصل لهم من التوبة والرجوع ، فهو علة في رفع درجات قربهم . وهذا الوجه يتوجه فيما حكيناه عن طائفة من الأنبياء ، اما النبي وأهل بيته عليهم السلام فلم
يقع منهم مثله .
الرابع : ما قاله بعض المحققين : من أن هذا من باب انشاء التواضع ، كما يقول
أحدنا لصاحبه : أنا عبدك وغلامك ، قصرت في حقك ، مع أنه غير مقصر . ومثله قول
علي بن الحسين عليه السلام ( أنا الذي مثل الذرة أو دونها )
الخامس : ما أفاده الفاضل علي بن عيسى الأربلي ، في كتاب كشف الغمة وتمدح
به ، وتلقاه الأصحاب بالقبول . وحاصله أن أوقاتهم عليهم السلام مستغرقة في مطالعة أسرار
الجمال ، وأنوار الجلال ، فإذا توجهوا إلى هذا العالم بارتكاب مباح من المباحات كالأكل
ونحوه ، عدوه ذنبا من الذنوب ، لتضمنه الاعراض عن مطالعة أنوار المحبوب ، فهم
يستغفرون عن صدور مثله عنهم . كما أن العبد لو أكل أو شرب في مكان وهو يعلم بمراء
ومسمع من سيده . يعد في عرف العقلاء مقصرا تاركا للأدب .
ومن هذا قوله : ( حسنات الأبرار سيئات المقربين ) وعليه حمل قوله صلى الله عليه وآله "
وانه ليران على قلبي ، واني لاستغفر الله كل يوم سبعين مرة من غير ذنب " لأنهم إذا
تعاطوا شيئا من تلك المباحات ، أسرعت كدورة ما إلى قلوبهم لكمال دقتها وفرط
نور آنيتها ، فان الشئ كلما كان أرق وأصفى ، كان كدورات المتكدرات عليه أبين وأهدى
وكانوا عليهم السلام إذا أحسوا بشئ من ذلك عدوه على النفس ذنبا واستغفروا منه .
السادس : ما أفاده شيخنا المحدث وكان يعده من الإلهامات ، وحاصله . ان مادة
البشرية مستعدة لمباشرة الذنوب والمعاصي ، والعصمة منها إنما هو من الألطاف الإلهية
والتوفيقات الخفيات ، فاعترافهم بالذنوب إنما هو بالنسبة إلى حالاتهم الانسانية ، الا
بالنظر إلى العصمة الإلهية ، ويرشد إليه قوله تعالى : " لولا أن ثبتناك لقد كدت تركن
إليهم شيئا قليلا " وقول الصديق : " ان النفس لامارة بالسوء الا ما رحم ربي " وفي
دعاءه صلى الله عليه وآله " اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين " وسأله بعض نساءه . لو وكلك إلى
نفسك ما كنت صانعا ؟ فقال : " ما صنع أخي يونس بن متي " .
السابع : ان مراتبهم ودرجاتهم في معرفة الله تعالى ، والاطلاع على عالم الملكوت
تتزايد يوما فيوما ، كما كانت للنبي صلى الله عليه وآله تزيد بالوحي وغيره ، وكان يعد معرفته ودرجته
أمس نقصا وذنبا بالنسبة إلى درجته في هذا اليوم ، فهو يستغفر منه .
الثامن : ما خطر بهذا الخاطر العليل ، واستخرجه فهمنا الكليل ، وحاصله ان
التكليف إنما جاء بإزاء النعم الإلهية فهم عليهم السلام ممن لا توازي نعمه سبحانه عليهم
فإنه خلق لأجلهم عالم الوجود ، وأوجب على الكونين الانقياد لهم ، فهم يهمون بالشكر
الموازي لما أنعم عليهم ، فلا يطيقونه ، فيعترفون لأجل ذلك بالذنب والتقصير . فمعنى
ما تقدم من قوله : في سجدة الشكر : " عصيتك بلساني " ان لساني لا يطيق حمدك ولا
شكرك فهو عاص بالنسبة إلى ما ينبغي له ، وقس عليه باقي ما ذكر من الجوارح
التاسع : انهم قادة الأنام ، فربما عدت ذنوب الخلق ذنبا عليهم ، ويرشد إليه قوله
تعالى : " انا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر " وورد في الحديث والتفسير ، ان المراد به ذنب أمته . وقد بقيت وجوه أخر لا نطيل الكلام بها .
( جه ) .