ما فوقه هواء وما تحته هواء " ( 1 ) ( 2 ) .
هامش
( 1 ) قال بعض العلماء : ان حديث أبي رزين هذا مختلف فيه ، وجاءت الرواة بألفاظ
تستشنع ، والنقلة له أعراب ، وحماد بن سلمة ، إنما رواه عن وكيع بن عدس ، وهو غير
معروف بين أهل الحديث وقد تكلم في تأويله بعض أهل اللغة ، فقال : ان العماء ، السحاب
إن كان الحرف ممدودا وإن كان مقصورا ، فإنه أراد في عما عن معرفة الناس ، كما تقول :
عميت عن الشئ ، وعن الاخر ، فلان أعمى عن كذا ، إذا أشكل عليه فلم يعرفه ، وكل ما خفى
عليك فهو عمى عليك .
ثم قال : وأما قوله : ما فوقه هواء وما تحته هواء ، فقد رده قوم فيه ، استيحاشا من أن
يكون فوقه هواء وتحته هواء وهو يكون بينهما . والظاهر أن بذلك لا تزول الوحشة
والذي سنح للفقير ان المراد من الحديث المعنى الثاني من العمى بالقصر ، ضد
البصر ، ويراد به عدم المعرفة قبل خلق الآثار الظاهر بها ، وفيها الآيات الدالة على معرفته
تعالى ويؤيده الحديث القدسي : " كنت كنزا مخفيا فأحببت أن اعرف فخلقت الخلق لكي اعرف " .
وأما قوله : ما فوقه هواء وما تحته هواء فهذا هو المروى لنا ، وهو إشارة إلى نفى كل
شئ في تلك المرتبة وعبر عنه بالفوق والتحت ، تقريبا إلى الأذهان وخصهما دون باقي
الجهات ، لان ما عداهما غير طبيعي ، فإذا انتفيا ، انتفى ما عداهما ، . وفى ذلك إشارة إلى نفى
الجهة بالكلية وإنما خص الهواء بإضافة الجهة إليه ، لأنه أول الأشياء وجودا ، بالنسبة
إلى وجود الأجسام ، لأن الماء حاملة الهواء ، واليه الإشارة بقول أمير المؤمنين عليه السلام
في بدء الايجاد : " ثم أنشأ سبحانه فتق الأجواء وشق الارجاء وسكامك الهواء " ويريد
به الهواء الذي أجرى فيه الماء الذي كان منه بدو الايجاد ، فنفى وجوده ثمة ، ليدل على أنه
لم يكن معه في تلك المرتبة شئ . ويؤيده قوله صلى الله عليه وآله : " كان الله ولا شئ
معه ، وكذلك هو الآن " .
ولهذا قال أهل الإشارة : ان مرتبة الأحدية ، هي مرتبة العمائية التي لا يلزمها شئ
من الصفات والأسماء والأفعال ، فهي مرتبة العما ، المشار إليه في الحديث ، وتلك المرتبة
لا يمكن العلم بها ، ولا وصول العقول إليها ، لعدم الطريق الموصل ، فلما تنزل من تلك
المرتبة إلى مرتبة الوحدانية ، التي هي مرتبة الصفات والأسماء والأفعال ، ظهرت المسميات
والأفعال وحصل بواسطتها التمييز والمعرفة ( معه ) .
( 2 ) ورواه أحمد بن حنبل في ج 4 من مسنده في حديث أبي رزين العقيلي ، لقيط بن
عامر ص 12 وبقية الحديث ( ثم خلق عرشه على الماء ) .