فلسفيّة ، أو منطقيّة أو تفسيريّة أو لغويّة ، ثمّ بعد ذلك نستعين بالمنهج الذي يطابق تلك المسألة للتحقيق فيها .
ولو أخذنا مسألة ( قبح العقاب بلا بيان ) ، فهل هي مسألة عقليّة أو عقلائيّة ؟
فإذا كانت عقليّة فهذا يعني أنّه لابدّ من التعامل معها بمنطقٍ عقليّ ، وإذا ثبت أنّها مسألة عقلائيّة فحينئذٍ تتغيّر وجهة التعامل معها . ونحن نرى بأنّ مِن أهمّ الأدلّة التي استدلّت بها مدرسة الميرزا النائيني لإثبات قاعدة القبح هو السيرة العقلائيّة ، والعلاقات القائمة بين العقلاء وبين الموالي والعبيد ، وهذه من المسائل العقلائيّة لا العقليّة .
وهنا نقول بأنّها إذا كانت وفقاً لمبنى الميرزا من المسائل العقلائيّة ومرتبطة بالأبحاث العقلائيّة ، فكيف يمكن أن نستدلّ عليها بدليلٍ عقليّ ؟
وكما وقع الخلط في الاستدلال بين المسائل العقليّة والعقلائيّة ، كذلك وقع في غيرها ، مثل مسألة الشرط المتأخّر التي هي من المسائل الشرعيّة المهمّة .
وفي هذه المسألة لابدّ أن نرى بأنّ الشرط هل هو متقدّمٌ أو متأخّر ؟ وهل هذا تابعٌ للشارع أم لا ؟ وإذا كان تابعاً للشارع فإنّه هو الذي يجعل الصلاة أو الصوم صحيحاً إذا تعقّبه الغسل ، وهذا من حقّه وهو الذي يجعل الطهارة قبل الواجب أو بعده . بحسب ما يراه من مصلحة ، ولا مشكلة في ذلك « 1 » . ولكن
هامش
( 1 ) قالوا في بيان الشرط المتأخّر : إنّ اسم المقدّمة يدلّ عليها كما نرى في تحديها لغةً واصطلاحاً ، فهي في اللغة : من كلّ شيء أوّله . وفي الاصطلاح : ما يتوقّف عليها وجود الواجب ، وليس من شكٍ أنّ الشرط من أقسام المقدّمة وجزء من علّة وجود الواجب ، وعليه يجب تقدّم الشرط على المشروط بحكم العقل والبديهيّة ، وحكم العقل لا ينقض ، وقاعدته لا شذوذ لها وعنها ، ولكن في الشرع ما يدلّ بظاهره على أنّ الشرط قد يتأخّر عن المشروط ، والمقدّمة عن واجبها . ومن ذلك عقد البيع يجريه الفضولي نيابةً عن الأصيل ، وبعد حينٍ يرضى المالك الأصيل بهذا البيع ويجيزه ، فتكشف إجازته هذه - عند كثيرٍ من الفقهاء - أنّ المبيع قد انتقل إلى ملك المشتري من حين إجراء العقد ووقوعه ، ومعنى هذا أنّ المشروط - أي : النقل - قد وُجد وتمّ قبل وجود شرطه وهو رضا المالك وإجازته . وهذا نقضٌ لقاعدة لزوم تقدّم الشرط على المشروط ، والمقدّمة على الذي هي له ، فكيف الوفاق ؟
وأجيب عن ذلك بالعديد من الأجوبة ، وأقربها إلى الفهم ما ذهب إليه صاحب الجواهر في بيع الفضولي ، وصاحب العروة في حاشيته على مكاسب الأنصاري . وبيانه أنّ الأمور الطبيعيّة شيء والأمور الشرعيّة شيءٌ آخر ، فتلك تتبع السنن الكونيّة ، وهذه اعتبارها بيد الشارع تبعاً للأغراض والمصالح ، ومعنى هذا أنّ حقيقتها عين اعتبارها ممّن بيده التشريع والاعتبار .
وقد تكون المصلحة في وجود الشيء مطلقاً وكيف اتّفق ، كعمل الخير والإحسان فيعتبره الشارع كذلك ، وقد تكون المصلحة في الشيء مقيّدة بأمرٍ سابق ، كالوضوء بالنسبة إلى الصلاة ، أو مقارن ، كالذكر حال الركوع ، أو متأخّر ، كالإجازة لبيع الموصي في تملّك الموصى له للشيء الموصى به . . . إلى غير ذلك كثير .
علم أصول الفقه ، محمد جواد مغينة ، دار التيّار الجديد ، ودار الجواد ، بيروت ، ط 3 ، 1408 ه - - 1988 م : ص 90 .