تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مقدمات منهجية في علم أصول الفقه — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
عالم تلك المادّة ، ولا يبحثها المنطقي بما هو منطقيّ . هذا هو المنطق البشري العامّ ومنطق كلّ العلوم . وهناك منطقٌ آخر يختصّ ببعض العلوم زائداً على ذلك المنطق العامّ . فكما أنّ عمليّة التفكير المطلقة لها موجّهات عامّة يبحث عنها في علم المنطق العامّ ، كذلك عمليّة التفكير في مادّة معيّنة يوجد لها موجّهات عامّة بقطع النظر عن خصوصيّات تلك المادّة ، وإن كان أصل تلك المادّة محفوظاً . ففي علم التاريخ مثلًا - وهو علم اكتشاف ما وقع في العالم في الزمان الماضي - يمارس المؤرّخ عمليّة التفكير حينما يريد معرفة متى سقطت الدولة العباسيّة مثلًا ؟ ومتى جاء المغول إلى بغداد ؟ وماذا صنعوا حينذاك ؟ وما هي أسباب مجيئهم ؟ وما هي النتائج التي ترتّبت على استيلائهم على بلد الإسلام ؟ هذه هي الأمور التي يريد المؤرّخ أن يقف عليها ، وهكذا في غيرها من الحوادث التاريخية كسقوط دولة بني أميّة ، وما أشبه . هذه العمليّة التفكيريّة عند المؤرّخ - بلحاظ المادّة التاريخية - لها موجّهات عامّة بقطع النظر عن دولة بني العبّاس أو بني أميّة بالخصوص ، وهذه الموجّهات صالحة بطبيعتها لأن تكون موجّهاً لعمليّة التفكير في كلّ مسألةٍ من المسائل التاريخية . ومن المعلوم أنّ هذه الموجّهات العامّة لا تُبحث في الفصل الأوّل الذي عقد لبيان انقراض دولة العبّاسيّين أو الفصل السابع الذي عقد لبيان احتلال بغداد مثلًا ، بل يبحث عنها بنحوٍ مستقلّ سواء سُمّي باسمٍ خاصّ أو لم يسمّ ، هي في الواقع تعبّر عن منطق علم التأريخ الذي كانت مقدّمة ابن خلدون محاولة لاكتشافه . إذن فالمؤرّخ في منطق علم التأريخ لا يبحث عن المغول وماذا صنعوا في بغداد ؟ وهل كان المحقّق الطوسي على علاقة مع المغول ؟ بل يبحث عن المراحل التي تمرّ بها عمليّة التفكير عند المؤرِّخ ؛ للتعرّف من خلالها على حقيقة